يحتفل العالم في الـ21 من سبتمبر من كل عام بـ«اليوم الدولي للسلام»، وهي فرصة للتذكير بويلات الحروب وفواتيرها الباهظة، فالبشرية عاشت تجربة حربين عالميتين قاسيتين كبدتها عشرات الملايين من الأرواح، وعدة تريليونات من الدولارات، لم تتعظ ولم تستوعب الدرس ولاتزال تقترب يوماً بعد يوم من حافة الهاوية التي نعيش على حدودها منذ سنوات.
تشير أحدث تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الإنفاق العسكري العالمي تجاوز (2.7) تريليون دولار خلال عام 2024، وهي أعلى زيادة سنوية منذ نهاية الحرب الباردة، ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة، إذا استمرت الاتجاهات الحالية، قد يصل الإنفاق العسكري العالمي إلى 6.6 تريليون دولار سنوياً عام 2035، بسبب التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة في مناطق عدة من العالم.
ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فمن زاوية أخرى تبلغ الكلفة الحقيقية للحروب والصراعات المسلحة، نحو 17.5 تريليون دولار سنوياً، وهو ما يعادل 13% من إجمالي الناتج المحلي العالمي بحسب تقرير صادر عن معهد الاقتصاد والسلام.
هذا الرقم الكبير ليس فقط ثمناً للذخائر والدبابات بل للدمار والجوع وتشريد الملايين، كما يشمل خسائر الإنتاج وانهيار البُنى التحتية، فمن غزة إلى أوكرانيا مروراً بسوريا ومناطق التوتر في أفريقيا وآسيا، يمتد النزيف الصامت بلا توقف، ومع كل طلقة تُغلق مدرسة ويتم تدمير مستشفى، ومع كل صفقة سلاح هناك وطن ينهار ويضيع مستقبل شبابه.
في هذا العالم المجنون، تدفع هذه الفواتير الضخمة سنوياً بلا توقف، فيما تواجه البشرية تحديات تنموية مصيرية، من فقر مدقع مازال يطحن مئات الملايين، وفجوة تمويلية هائلة تعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة، إلى أزمات مناخية متصاعدة.
والأخطر أن فواتير الحروب لا تقتصر على هدر الثروات وحرق ميزانيات الدول، والتسبب في هدم ما بنته خطط التنمية لعقود، بل تهدر أرواح الشباب وهم أغلى ثروات الأمم وذخيرتها الحقيقية لبناء المستقبل.
لقد تحولت الحروب إلى صفقة، والدم إلى سلعة، والضحايا مجرد أرقام، لكن الوجه الأشد قسوة لهذا الواقع الأليم لا يظهر في الموازنات، بل في وجوه النازحين، وحتى منتصف 2024 تجاوز عدد اللاجئين والمشردين حول العالم 117 مليون إنسان، معظمهم دُفعوا خارج أوطانهم بسبب حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
كل هذا يحدث بينما تشير الدراسات إلى حقيقة لافتة ومحزنة في آنٍ معاً، كل دولار يُستثمر في تعزيز السلام والوقاية من النزاعات يمكنه أن يُجنّب العالم خسارة 16 دولاراً كانت ستُنفق على الحرب، تلك المعادلة البسيطة والمذهلة تفتح الباب لسؤال مشروع: لماذا لا يستثمر البشر في السلم كما يستثمرون في السلاح؟ ولماذا لا يؤسسون اقتصادات تُبنى على الحياة، لا على الموت؟ وبصيغة أخري ماذا لو تم إنفاق المبالغ المهدرة في الصراعات والحروب على مشاريع التنمية المستدامة؟
دعونا نتخيّل سيناريو افتراضياً، ماذا لو جرى تخصيص هذه المبالغ المهولة، لمدة عشر سنوات متتالية، لتمويل برامج التنمية المستدامة وإعانة الدول الفقيرة؟ بكل يقين النتائج الإيجابية سوف تكون مذهلة، فهذا المبلغ يكفي لسد فجوة تمويل أهداف التنمية المستدامة المقدّرة بين 2.5 و4 تريليون دولار سنوياً، كما يمكن أن تقضي نهائياً على الفقر المدقع الذي يتطلب معالجته أقل من 325 مليار دولار سنوياً.
لو تحقق هذا التحوّل، لأصبح العالم أكثر عدلاً واستقراراً، ولأصبح التعليم متاحاً لملايين الأطفال المحرومين، وتمكّنت دول العالم الثالث من بناء مؤسسات قوية وخدمات عامة تحصّنها ضد الانهيارات والأهم، سيجري الاستثمار في الوقاية من الصراعات بدلاً من تمويل اشتعاله.
لكن السؤال الكبير يبقى: هل يمكن أن يتنازل سماسرة الحروب وتجار الدم عن منطق سباق التسلّح؟ وهل يُترجم وعي البشرية بهذه الفواتير الفلكية إلى إرادة سياسية تعيد توجيه البوصلة من الحرب إلى التنمية؟
أقولها بكل آسى، هذه أحلام يقظة تبحث مع أفلاطون عن مدينته الفاضلة التي لا وجود لها على أرض الواقع، طالما بقي العالم في قبضة تجار الموت ممن يتنافسون في سباق محموم نحو إنتاج الأسلحة الأكثر فتكاً دون أن تشغلهم ولا تؤرقهم أعداد الضحايا ممن يتم سفك دمهم، لأنهم ببساطة مجرد أرقام تقفز بثرواتهم التي تتضخم بها حساباتهم وأرصدتهم في البنوك، ولا عزاء للأبرياء من الأطفال والنساء في كل مكان.
في النهاية، تظل الأرقام شاهداً صارخاً: ما يُنفق اليوم على التدمير يكفي لبناء عالم أفضل للجميع، المسألة لم تعد مسألة موارد، بل إرادة.