نسمع أحياناً عن بعض المؤتمرات والندوات والمنتديات، بأنه قد دار فيها نقاش وتداول، كان حواراً حضارياً راقياً، بعيداً عن كل التحيزات والأفكار السلبية المأزومة التي لا تراعي متطلبات الواقع المُعاش.لا بد لنا من السعي إلى تحييد الحضارات وليس تسييسها من أجل إبراز البعد الإنساني في مفاصلها، وإلا ستطغى فكرة الصراع والنفوذ للأقوى، كما روّج له «هنتنجتون» في كتابه «صراع الحضارات»، وفوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ»، حيث رسّخ فكرة أن الحضارة الأميركية هي آخر الحضارات، دون أن تقبل لها شركاء ولو في الثلث.
بالمقابل هناك من يرى أن فكرة الصراع أو الحوار، لا وجود لها، لأن هناك حضارة إنسانية واحدة صبت فيها شعوب وأمم وأقاليم الدنيا على طول التاريخ أفضل ما توصلت له من رقي وتقدم.
من هنا يمكن لنا القول إن الحضارة هي أنفع وأرفع ما وضعته ثقافات الشعوب والأمم والأقاليم في المجتمع العالمي للثقافات المتنوعة، والذي هو محيط الحضارة الإنسانية.
هذا المحيط يشكّل مجمع البحار والأنهار، التي تصبُّ فيه كذلك مياه الأمطار، فكلما فاض عاد الفائض إلى المحيط مجدداً، فالحضارة الإنسانية ليست حكراً على أحد، لأنها منافع مشتركة وليست مدافع منطلقة ضد الآخر مهما يكن موقعه في السلم الحضاري، فهذا المحيط يحوي الجميع من دون الحاجة إلى سماع أصوات فرقعات المدافع.
والذي حدث على طول التاريخ، أن ما حققته المجتمعات المتعددة من ثقافات متنوعة انتقل بالاختيار المفتوح وبالطلب الحر -عندما ظهر نفعه وتأكدت قيمته- إلى الأقاليم المحيطة بموطنه وهناك تفاعل مع ما وجد، ثم راح ما تجمع في الأقاليم ينتشر -بثبوت نفعه وصلاحيته- إلى أفق أوسع وأبعد، ومرة ثانية فعل وتفاعل، ثم تحول مجمع الثقافات إلى محيط حضاري لا يحتاج إلى إلحاح أو إلى سلاح، لأن شراكة الجميع فيه، وحاجة الكل إليه، تجعله ثروة بالمشاع بينهم وادخاراً لطموحاتهم عندما تحركهم هممهم.
ففي حياتنا يمكن أن نكيّف أنفسنا من أجل الحوار بدلاً من الصراع، وبإمكاننا أن نطيل الوقفة الفاصلة بين الدافع والتصرف، بحيث نأخذ الوقت الكافي للتفكير بما نحتاج إليه فعلاً على المدى الطويل.طبعا، الحوار لا يعني أننا كلنا سنتفق، يقول الدالاي لاما: «لنا وجهات نظر مختلفة، وهناك سيكون دائماً اختلاف، إنك بحاجة للصبر..
لكن الحوار، وليس العنف، هو الجواب، فالعنف يخلقُ دائماً من المشاكل أكثر مما يحل، والطريقة الوحيدة لحل المشاكل هي الحوار وليس اللجوء للعنف. وهذا ما يفسر لماذا أقول إن السنين المقبلة يجب أن تكون قرن الحوار».
*كاتب إماراتي