في حالات نادرة، أذن رؤساء الولايات المتحدة باستخدام الجيش الأميركي للتدخل في الشؤون السياسية الداخلية. ففي عام 1957، نشر الرئيس آيزنهاور وحدات من الفرقة 101 للمظليين في ليتل روك، أركنساس، لفرض دمج المدارس العامة بعد رفض مسؤولي الولاية الامتثال لأوامر المحكمة الفيدرالية. وفي عام 1962، أذن الرئيس كينيدي للحرس الوطني في ولاية ميسيسيبي والفرقة 82 المحمولة جواً بالتدخل لضمان تسجيل الطالب جيمس ميريديث، وهو من السود، في جامعة ميسيسيبي في أوكسفورد. وتم اتخاذ إجراءات مماثلة في ألاباما خلال الستينيات.
وفي عامي 1967 و1968، أذن الرئيس جونسون باستخدام القوات الفيدرالية بعد أعمال شغب عنيفة في ديترويت وشيكاغو وواشنطن العاصمة. وفي عام 1992، أرسل الرئيس بوش الابن قوات فيدرالية إلى لوس أنجلوس بعد أعمال شغب عنيفة. ومؤخراً، أوضح الرئيس ترامب أنه سيستخدم صلاحياته لإرسال قوات فيدرالية إلى المدن الأميركية التي تعاني من ارتفاع معدلات الجريمة. وهو على دراية بأن قضية العنف والفوضى التي شهدتها العديد من المدن الأميركية عقب احتجاجات عام 2020 ضد مقتل جورج فلويد، كانت من أبرز قضايا الحملة الانتخابية التي ركّز عليها «الجمهوريون».
خلال تلك الاضطرابات، انتشرت مقاطع فيديو تُظهر عمليات النهب لمتاجر فاخرة في مناطق التسوق الشهيرة، مثل شارع روديو درايف في بيفرلي هيلز، حيث بدا أن الشرطة عاجزة عن منع هذه الأعمال، ولم يتم اعتقال سوى عدد قليل من المجرمين. لم يكن «الديمقراطيون» راغبين في اتخاذ موقف حازم إزاء هذه الظاهرة، مما ساهم في تكوين صورة سلبية عنهم بأنهم متساهلون مع الجريمة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن قضايا دعم «النظام والقانون» والقمع القوي للجريمة والتشرد.. تحظى بشعبية بين الناخبين. ومع أن الديمقراطيين تأخروا في اتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه الجريمة، إلا أنهم قلقون من أن يستمر ترامب في جعل مكافحة الجريمة محور سياسات إدارته.
وفي هذا السياق، نظمت وزارة الدفاع في 30 سبتمبر تجمعاً ضم مئات كبار الضباط العسكريين الأميركيين في قاعدة مشاة البحرية في كوينتيكو بولاية فيرجينيا. ألقى وزير الدفاع، بيت هيجسث، والرئيس ترامب، كلمتين أمام الحضور. ركّز هيجسث على رغبته في تعزيز قدرة القوات الأميركية على القتال، مشدداً على أهمية جاهزية القوات العسكرية، والجاهزية البدنية، والالتزام بالزي الرسمي.
أما ترامب، فتحدث لأكثر من ساعة، وركّز على ضرورة استعداد الجيش للدفاع عن الوطن. وتحدث عن استخدام القوات الأميركية لدعم قوات إنفاذ القانون المحلية لمواجهة ما وصفه بـ«العدو الداخلي»، مشيراً إلى أن المهاجرين غير الشرعيين والمتطرفين اليساريين هم المسؤولون عن العنف في المدن. وقال: «نحن نواجه عدواً من الداخل لا يختلف عن العدو الخارجي، بل هو أصعب بكثير لأنه لا يرتدي زياً عسكرياً. قلت لهيجسث: يجب أن نستخدم هذه المدن الخطرة كساحات تدريب لقواتنا العسكرية».
وأثار هذا التصريح استياءً واسع النطاق بين منتقديه على الفور، إذ رأت هذه الانتقادات أن هيجسث يهدف إلى بناء جيش أكثر فتكاً، وترامب يريد استخدامه في مدن أميركية. لقد استخدم ترامب بالفعل قوات فيدرالية للتعامل مع الجريمة في لوس أنجلوس وواشنطن العاصمة، ويقول إن شيكاغو وبورتلاند وممفيس هي التالية على القائمة.
ومع أن تلك المدن تعاني مشكلات جريمة خطيرة، يعتقد خصوم ترامب أن هدفه الحقيقي هو تدريب الجيش على العمل في المدن بحيث يتمكن في حالة الطوارئ من إصدار أوامره بتطبيق الأحكام العرفية وإغلاق المؤسسات الحيوية، بما في ذلك مراكز الاقتراع. وهذا من شأنه منع المواطنين الأميركيين من المشاركة في الانتخابات النصفية التي ستُعقد العام المقبل، والتي عادةً ما تسفر عن هزيمة الحزب الحاكم، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية. وهذا يعني تحول الولايات المتحدة إلى «نظام استثنائي»، وهو ما قد يعني نهاية الديمقراطية الأميركية كما نعرفها.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن