في سياق عالمي يشهد سباقاً محموماً نحو استكشاف الفضاء وتوسيع حدوده العلمية والتقنية، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كقوة صاعدة فرضت حضورها، لتصبح نموذجاً يُحتذى به إقليمياً ودولياً في بناء برامج فضائية متكاملة.
ويأتي الأسبوع العالمي للفضاء (4- 10 أكتوبر) ليشكّل فرصة مهمة لتسليط الضوء على الإنجازات المتلاحقة للإمارات في هذا القطاع الحيوي، وما تحمله من دلالات استراتيجية على المستويات العلمية والاقتصادية والجيوسياسية. فمنذ تأسيس «مركز محمد بن راشد للفضاء» في مطلع الألفية الثالثة، وضعت الإمارات أسساً صلبة لبرنامج وطني يستهدف توطين المعرفة، وبناء قدرات تقنية متقدمة، وعقد شراكات نوعية مع أبرز وكالات الفضاء الدولية.
وقد مثّل إطلاق القمر الاصطناعي «دبي سات-1»، عام 2009، الانطلاقة الفعلية لدخول الإمارات نادي الفضاء، وأعقبه «خليفة سات» عام 2018 كأول قمر صناعي يُصنع بالكامل بأيادٍ إماراتية، بيد أن اللحظة الفارقة في المسار الإماراتي جاءت مع نجاح «مسبار الأمل» في دخول مدار المريخ عام 2021، في أول مهمة عربية وإسلامية، لتنضم الإمارات إلى قائمة محدودة من الدول القادرة على استكشاف الفضاء العميق.
إضافةً إلى ذلك، أطلقت الإمارات حتى الآن 22 قمراً اصطناعياً إلى الفضاء، بجانب 8 أقمار جديدة قيد التطوير. ولم تتوقف الإمارات عند هذا الحد، بل انخرطت في برنامج طموح لرواد الفضاء، ففي عام 2019، أصبح هزاع المنصوري أول رائد فضاء إماراتي يصل إلى محطة الفضاء الدولية، أعقبه معالي الدكتور سلطان النيادي، وزير دولة لشؤون الشباب، في مهمة استمرت 6 أشهر عام 2023، ليكون رائد الفضاء العربي الأطول إقامةً في الفضاء. كما أن الإمارات انطلقت نحو صياغة مشروعات استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها «برنامج المريخ 2117»، الذي يطمح إلى بناء مستوطنة بشرية على الكوكب الأحمر خلال المئة عام المقبلة.
وأنشأت شركات ناشئة ومراكز ابتكار متخصصة، مثل «الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء» و«مجموعة إيدج»، بما يعزّز من تكوين بيئة بحثية وصناعية جاذبة للكفاءات العالمية، وهو ما يتسق مع استراتيجية الدولة القائمة على الاستثمار في المستقبل كركيزة لبناء اقتصاد معرفي متنوع. على الصعيد الاقتصادي، ارتفع حجم الاستثمارات الوطنية في قطاع الفضاء من نحو 22 مليار درهم عام 2015 إلى ما يتجاوز 40 مليار درهم في 2024.
كما استحوذت الإمارات وحدها على نحو 40 أو 45% من الإنفاق الحكومي الإقليمي على الفضاء المدني في عام 2024، مع وجود أكثر من 170 شركة وطنية ودولية تنشط في هذا المجال. وقد تمكّنت الإمارات عبر برنامجها الفضائي من تكريس حضورها كقوة ناعمة مؤثرة. فإلى جانب دورها في بناء الجسور العلمية مع الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، حرصت على توسيع التعاون مع دول صاعدة مثل الهند وكوريا الجنوبية، ما يمنحها موقعاً متميزاً وسط شبكة معقدة من الشراكات الدولية.
وفي ظل هذه الإنجازات، تقف الإمارات أمام فرص واسعة لتوسيع البنى التحتية الفضائية، بما في ذلك منصات الإطلاق المحلية ومحطات استقبال البيانات الأرضية وتصنيع المكونات الفضائية المتقدمة. وكذلك، تمهيد الطريق للتقنيات الجديدة مثل الأقمار الصغيرة (Cubesats)، والذكاء الاصطناعي.
إن التراكم السريع لهذه الإنجازات لم يكن ليحدث لولا توافر إرادة سياسية واضحة دعّمت الاستثمار في العقول والموارد البشرية، فباتت الإمارات اليوم تمتلك نخبة من العلماء والمهندسين والباحثين القادرين على قيادة المرحلة المقبلة، ما يوضح أن الرؤية الإماراتية لا تتوقف عند إنجاز لحظي، بل تتجه إلى رسم مسار مستدام يربط بين الطموح العلمي والتنمية الوطنية.
ما حققته الإمارات في قطاع الفضاء هو أكثر من مجموعة إنجازات عابرة، إنه بناء استراتيجي متكامل بين المعرفة والاقتصاد والمجتمع، ورافعة حضارية تعكس فلسفة الدولة القائمة على الاستثمار في المستقبل وإلهام الأجيال وصناعة الأثر العالمي، لتثبت الإمارات أنها قادرة على أن تكون طرفاً فاعلاً لا يتلقى المعرفة فحسب، بل يسهم في إنتاجها وتوظيفها بما يخدم المجتمع الإنساني.
* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.