في ظل التحديات العالمية المتزايدة المتعلقة بتغير المناخ، وندرة الموارد المائية، وتزايد الطلب على الغذاء، برزت الزراعة المستدامة حلاً استراتيجياً لضمان الأمن الغذائي للأجيال الحالية والمستقبلية. وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة في طليعة الدول التي تتبنى هذه الرؤية الطموحة، محوِّلةً التحديات البيئية والمناخية إلى فرص للابتكار والنمو الاقتصادي والاجتماعي. وليس التزام الدولة بالاستدامة مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية تتماشى مع رؤيتها التنموية الشاملة، التي تهدف إلى بناء مستقبل مزدهر ومستدام يعتمد على المعرفة والابتكار.
في هذا السياق، تأتي حملة «المزارع المستدامة» التي أطلقتها مجموعة «تدوير» بالتعاون مع هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية لتقدم نموذجاً ملهماً لهذه الجهود، حيث تهدف إلى رفع الوعي وتشجيع الممارسات الزراعية والحيوانية المسؤولة بيئياً. وتُعد الحملة جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الأوسع للإمارات في تحقيق التنمية المستدامة.
وتركز الحملة على توعية المزارعين وأصحاب حظائر الحيوانات بأهمية التخلص السليم من النفايات وتبني أساليب مستدامة تضمن الحفاظ على البيئة والصحة العامة. وتتضمن الحملة، التي تستمر حتى 31 أكتوبر، زيارات ميدانية مكثفة يقوم بها فريق التوعية المجتمعية في «تدوير» لمناطق أبوظبي والعين والظفرة، ويتم خلالها إرشاد المزارعين إلى أفضل الممارسات للتخلص الآمن من النفايات، مع التأكيد على أهمية استخدام نقاط التجميع المخصصة. كما يتم تذكيرهم بخدمة التخلص من الحيوانات النافقة عبر تطبيق «تم»، وهي خدمة تضمن عمليات تخلص آمنة ومنظمة تتوافق مع معايير الصحة العامة والمسؤولية البيئية.
لا يمكن فهم أهمية مبادرات مثل «المزارع المستدامة» بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الأوسع الذي تعمل ضمنه. فالنظام الوطني للزراعة المستدامة، الذي أُطلق في عام 2020، يمثل حجر الزاوية في رؤية الإمارات لتحقيق أمنها الغذائي، والتعامل مع التحديات البيئية والمناخية يقع في صميم هذا النظام. ففي مواجهة شح المياه، وتغير المناخ، والازدياد السكاني، يقدم النظام حلولاً مبتكرة تضمن استدامة الموارد الطبيعية من خلال تبني هذا النهج الشامل. كما أن الإمارات لا تؤكد التزامها بتحقيق أمنها الغذائي فحسب، بل تقدم أيضاً نموذجاً رائداً في كيفية تحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والتطور، وتعزيز مرونة قطاعها الزراعي في مواجهة المتغيرات المستقبلية.
ولم يكن التحول نحو الزراعة المستدامة في الإمارات ممكناً لولا تبني مجموعة من التقنيات الثورية التي أعادت تعريف مفهوم الزراعة في البيئات الصحراوية، وهي تقنيات تهدف إلى زيادة الإنتاج، وتتخطى ذلك لتحقيق أعلى مستويات الكفاءة في استخدام الموارد، وخاصة المياه والطاقة. ففي إطار سعيها لترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للزراعة المستدامة يدخل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية بقوة إلى القطاع الزراعي في الإمارات، من خلال استخدام الطائرات من دون طيار «الدرونز» لمراقبة المحاصيل، وتحليل البيانات الضخمة لتحسين إدارة المزارع، وتطوير سلالات نباتية مهندسة وراثياً لتكون أكثر مقاومة للجفاف والملوحة. وتساهم هذه التقنيات في رفع كفاءة الإنتاج والتنبؤ بالتحديات قبل وقوعها، ما يعزز استدامة ومرونة القطاع الزراعي.
ولم تكتفِ الدولة بتبني التقنيات الحديثة فحسب، بل عملت أيضاً على وضع أطر تنظيمية ومعايير جودة تضمن تطبيق أفضل الممارسات. من هنا، جاءت مبادرة وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة بإصدار «العلامة الإماراتية للزراعة المستدامة»، وهي بمثابة ختم جودة يطبق على المزارع والمنتجات الزراعية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج المحلي من المحاصيل الغذائية، والثروة الحيوانية، والحياة المائية، ما يضمن للمستهلكين جودة وسلامة المنتجات، ويعزز ثقتهم في الإنتاج الوطني.
إن مبادرة «المزارع المستدامة» في أبوظبي، إلى جانب الجهود الوطنية الأخرى، تمثل نموذجاً يحتذى به في السعي نحو تحقيق الأمن الغذائي والاستدامة البيئية. فمن خلال التزامها بالابتكار، وتبني التقنيات الحديثة، وتوعية المجتمع، تضع الإمارات أسساً متينة لمستقبل زراعي مزدهر. وتساهم هذه الجهود في بناء اقتصاد متنوع ومستدام يضمن توفير غذاء صحي وآمن للسكان، كما تحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، مؤكدة بذلك دور الإمارات الريادي في المنطقة والعالم في مجال التنمية المستدامة.