الأجيال الناشئة هي رصيد الأمة وثروتها الحقيقية، هم الذين سيحملون أمانة الوطن، ويقودون مسيرته خلال العقود القادمة. وإذا كان إعدادهم مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، فإن أي خلل في هذه المنظومة سيترك أثراً خطيراً، تتوارثه الأجيال كما يتوارثون الدماء والأنساب.
إنّ أحد المفكرين الغربيين لخّص مسار الهدم في ثلاث خطوات قاتلة: ضرب الأسرة، تهميش التعليم، وإسقاط القدوات. وحين تكتمل هذه الحلقة المظلمة، يضيع النشء بين التيه والاغتراب، وتضيع معهم هوية الأمة.
أول الحصون هو الأسرة، والركيزة فيها الأم. حين يُنتزع من الأم فخرها بوصف «ربة البيت» وتُصوَّر هذه المهمة النبيلة وكأنها عائق أمام تحقيق الذات، يختلّ التوازن النفسي والتربوي للأطفال. الأرقام في بعض المجتمعات الغربية اليوم تكشف أن نسب الطلاق تجاوزت 50%، وأن ملايين الأطفال ينشأون بلا أم أو أب حاضر. النتيجة جيل مضطرب يبحث عن هويته في الشارع أو خلف الشاشات. لذلك فالمجتمع الذي يحمي مكانة الأم ويحفظ للأسرة قدسيتها، هو مجتمع يبني حائطاً صلباً في وجه الانهيار.
أما التعليم فهو الحصن الثاني. المعلم ليس مجرد ناقل معرفة، بل هو صانع شخصية ومُلهم قيم. حين يُهان المعلم أو يُهمل، يفقد الطلاب قدوتهم اليومية داخل المدرسة. لننظر إلى تجارب الدول الناجحة: في فنلندا وسنغافورة، يُعامل المعلم بمكانة تضاهي الأطباء والمهندسين، ورواتبهم من الأعلى في المجتمع، لأنهم يُدركون أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأذكى. إن إعادة الاعتبار لمعلمينا، وتزويدهم بالأدوات والتدريب والاحترام، هو خط الدفاع الذي لا غنى عنه.
ثم يأتي القدوة، ذلك النجم الذي يهتدي به الشباب في ظلمات الحياة. عندما يُستهدف العلماء والمفكرون بالتشكيك والطعن، تنطفئ المنارات وتترك الأجيال فريسةً للفراغ أو لنماذج سطحية تُقدّمها وسائل الإعلام. اليوم، يتابع ملايين الشباب مشاهير بلا رسالة، في الوقت الذي ينزوي فيه العلماء والمربون عن الأضواء. إعادة الاعتبار للقدوات الصالحة، وإبرازهم في الإعلام، وغرس حبّهم في نفوس الأبناء، ليست ترفاً بل ضرورة لإنقاذ الوعي.
إن المخاطر واضحة: جيل بلا أسرة متماسكة، بلا معلم ملهم، وبلا قدوة صادقة… هو جيل هشّ أمام العواصف، سهل الانقياد نحو الضياع. والحل ليس شعارات عامة، بل منظومة متكاملة تبدأ من السياسات الحكومية الداعمة للأسرة، وتمر بتطوير التعليم والاهتمام بالمعلم، وتنتهي بصناعة بيئة إعلامية تحتفي بالقدوات الحقيقية.
الخيار أمامنا اليوم: إما أن نحمي حصون القيم، وإما أن نتركها تُهدم حجراً حجراً حتى نفقد أبناءنا ونخسر مستقبلنا. الأمل قائم، والمسؤولية مشتركة، والوعي هو السلاح الأول. فلنحمل هذه الأمانة بصدق، ولنجعل أبناءنا يرثون منّا قوة القيم قبل كل شيء.
*لواء ركن طيار متقاعد