قبل نحو نصف قرن، أطلقت الولايات المتحدة تجربة صحية عامة ضخمة؛ إذ انضمّت الحكومة الفيدرالية إلى خبراء التغذية لتأكيد أن اتّباع نظام غذائي منخفض الدهون سيمنع أمراض السمنة والسكري وأمراض القلب وبعض أنواع السرطان.
وحذّر بعض العلماء، الذين شعروا بالقلق من أن الدراسات القائمة على الملاحظة كانت ضعيفة، وأن التجارب السريرية لم تُظهر بشكلٍ مقنع أن تقييد تناول الدهون الكلية يؤدي إلى تحسُّنٍ في أي من مؤشرات الصحة الرئيسية. لكن تلك التحذيرات لم تُؤخذ على محمل الجد. إذ كانت معدلات السمنة وأمراض القلب في ازدياد، وبدا أن الدهون هي السبب الواضح. وكان التفكير السائد: لا ترغب في تراكم الدهون في جسمك أو في شرايينك، فلا تأكلها.
لكن النظام الغذائي منخفض الدهون في تلك الحقبة لم ينجح. فقد افترض كثير من الأميركيين أن تناول الكربوهيدرات لا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الوزن، ما شجّع الشركات الغذائية على إغراق الأسواق بالأطعمة الغنية بالكربوهيدرات المُصنّعة - مثل المشروبات الغازية، وحبوب الإفطار المحلّاة، ورقائق البطاطس المخبوزة، والمقرمشات، والفشار، وحلويات «سناكويلز» الخالية من الدهون، وغيرها. وفي تلك الفترة نفسها، ارتفعت معدلات السمنة والسكري بشكلٍ هائل. واليوم، حلّت الأطعمة فائقة المُعالَجة محل الدهون لتصبح العدو الغذائي الجديد، إذ ورد ذكرها عشرات المرات كأحد الأسباب الرئيسية للأمراض المزمنة في تقرير «لنجعل أميركا صحية مجدداً» (ماها) حول صحة الأطفال، الصادر في مايو الماضي.
وقد أعلنت وزارة الزراعة الأميركية أن «المساعدة في معالجة الإفراط في استهلاك الأطعمة فائقة المعالجة عنصر أساسي في مبادرة ماها»، مما وضع هذه الفئة من الأطعمة في طليعة السياسة الغذائية الوطنية. لكن التسرّع في تبنّي هذه الإجراءات قد يؤدي إلى ضررٍ أكثر من النفع، كما جادلتُ في مقالٍ لي في مجلة نيو إنجلاند الطبية. لقد شاع مصطلح «الأطعمة فائقة المعالجة» لأول مرة عام 2009 على يد باحث برازيلي في التغذية، ضمن نظام غذائي أُطلق عليه لاحقاً اسم «نوفا»، والذي يقسّم الأطعمة إلى أربع فئات تتراوح بين الأطعمة غير المُعالَجة أساساً (نوفا 1) إلى الأطعمة فائقة المُعالَجة (نوفا 4). تشمل الفئة الأولى الخضراوات والفواكه الطازجة والبقوليات والحليب والبيض والأسماك واللحوم الطازجة.
أما الفئة الرابعة فتضم الوجبات السريعة، والمشروبات السكرية، وحبوب الإفطار الجاهزة، والوجبات الخفيفة المعبّأة، والحلويات الجاهزة. حتى هنا، لا مشكلة. للوهلة الأولى، تُظهر الدراسات الرصدية بانتظام أن الأشخاص الذين يستهلكون كميات أكبر من الأطعمة فائقة المعالجة يكونون، في المتوسط، أقل صحة من أولئك الذين يتناولون كميات أقل منها.
ومع ذلك، تختلف الارتباطات بين نوع وآخر من الأطعمة: فالمخاطر الصحية ترتفع عادة مع المشروبات السكرية، وتنخفض مع الوجبات الخفيفة المالحة والزبادي المُنكّه، وتبقى ثابتة مع أنواع أخرى. هذه الفوضى تكشف المشكلة الأساسية في نظام «نوفا»: انعدام الدقة. فالمعايير المُحددة للأغذية فائقة المعالجة فضفاضة للغاية. وبهذا، قد تؤدي السياسات العامة المبنية عليها إلى نتائج محدودة أو مضلّلة أو حتى ضارة. المعالجة الميكانيكية للأطعمة - مثل الطحن أو العصر أو الضغط - تؤثر في مكوّنات الغذاء الأساسية بطرقٍ مختلفة، وتؤثر بشكلٍ أكبر في الكربوهيدرات تحديداً. فجميع الكربوهيدرات، باستثناء الألياف، تُهضم في الجسم لتتحول إلى سكر. وفي معظم الكربوهيدرات غير المعالجة، تتم هذه العملية ببطء، فترتفع مستويات السكر والأنسولين في الدم تدريجياً.
لكن حين تُعالج الأغذية صناعياً - بإزالة الألياف وتفكيك بنيتها - فإن عملية الهضم تتسارع، ما يؤدي إلى ارتفاع حاد في السكر والأنسولين. ولهذا السبب، تُعدّ الحبوب الكاملة (كقمح الحبة الكاملة أو الشوفان التقليدي) أكثر صحةً من الحبوب المكررة (كالخبز الأبيض أو الشوفان الفوري)، كما أن الفاكهة الكاملة أكثر فائدة من السكر المستخلص منها.في المقابل، فإن المعالجة الصناعية تؤثر تأثيراً محدوداً على البروتينات والدهون، لذا لا تختلف التأثيرات الصحية كثيراً بين شرائح اللحم وقطع اللحم المفروم، أو بين فول الصويا والتوفو (حليب الصويا)، أو بين الزيتون وزيت الزيتون، أو بين الفول السوداني وزبدته، أو بين حبوب الكاكاو والشوكولاتة الداكنة.كما تنطبق مشكلة غياب الدقة على الإضافات الغذائية أيضاً. فبعضها ضار، لكن البعض الآخر - مثل غاز الكربون أو الألياف المضافة - غير مؤذٍ أو حتى مفيد.
ومع ذلك، يكفي أن يحتوي المنتج على إضافة واحدة غير مألوفة في الطهي التقليدي حتى يُصنَّف كطعام «فائق المعالجة»، بغض النظر عن قيمته الصحية. نتيجة لذلك، قد يؤدي نظام «نوفا» إلى توصيات غير منطقية. فمثلاً، لتجنّب الأطعمة فائقة المعالجة يمكنك خبز خبزٍ أبيض في المنزل، لكن لا يمكنك تناول معظم أنواع الخبز الجاهز. ويمكن لطفلك تناول رقائق الذرة مع سكر مضاف في المنزل، لكن ليس حبوب الإفطار الجاهزة المدعّمة بالبروتين والألياف والمنخفضة السكر. ويمكن للنباتيين تحضير التوفو في المنزل بصعوبة، لكن لا يُسمح لهم بأكل بدائل اللحوم الجاهزة أو ألواح البروتين النباتية. والأسوأ أن الشركات يمكنها التحايل على النظام بإضافة كميات كبيرة من السكر أو الملح من دون أن تُصنّف منتجاتها على أنها «فائقة المعالجة». في النهاية، نحن بحاجة إلى أدلة عملية حقيقية على ما ينجح فعلاً، ولن يتوفر ذلك إلا عبر تجارب سريرية طويلة الأمد وذات جودة عالية.
فحتى الأدوية الخاصة بالسمنة لا يمكن إجازتها بناءً على تجارب تمتد لأسبوعين أو شهرين- وهي الفترات نفسها التي استُخدمت في التجارب الرئيسية حول الأطعمة فائقة المعالجة حتى الآن. إنه أساس هشّ لوضع سياسة غذائية وطنية. وعلى السلطات الصحية، في الوقت الراهن، أن تُركّز على المنتجات الصناعية التي تُثبت الأدلة ضررها بوضوح: الحبوب المكررة، والسكر، والكربوهيدرات شديدة المعالجة.
أما إطلاق حملة وقائية وطنية جديدة قائمة على دراسات ملاحظة غامضة وتجارب سريرية ضعيفة، فيُخشى أن يعيدنا إلى كارثة النظام الغذائي منخفض الدهون من جديد. ديفيد س. لودفيج* أستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة هارفارد، وأستاذ التغذية في كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد تي. إتش. تشان.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكشن»