يُعد التأمل في أحداث الماضي من أفضل الطرق لمواجهة الارتباك السائد في العصر الحالي. فدراسة التاريخ لا تقتصر على تزويدنا بمنظور لتدفق الأحداث، بل تُشير إلى كيفية تطورها في المستقبل وكيف يُمكننا صياغتها بما يخدم مصالحنا.
إننا غارقون اليوم في مقارنات مع ثلاثينيات القرن العشرين، وهو تشبيه مفضّل لدى الأوساط التقدمية، كما يتبناه أيضاً المحافظون الجدد المعارضون للرئيس دونالد ترامب. لكن أكثر المقارنات غرابة هي تلك التي طرحها المؤرخ جيمس هانكينز مع ثلاثينيات القرن الـ14، حين ضعفت المؤسسات العابرة للحدود مثل البابوية والإمبراطورية الرومانية المقدسة، واجتاح الطاعون الأسود القارة، وعمّت الفوضى والعنف، ومزّقت الحروب أوروبا.
وتجادل مدرسة الثلاثينيات الحديثة بضرورة محاربة الشعبوية بكل الوسائل، لأن التهاون معها يوازي التهاون مع هتلر أو موسوليني. أما مدرسة القرن الـ14، فترى أن العلاج يكمُن في إحياء الفضيلة لمواجهة التراجع الثقافي ومشاعر الإحباط.
لكن هناك مقارنة ثالثة تعود إلى القرن الـ17، زمن الحروب الأهلية الأوروبية. فهذه المقارنة لها فائدتان، إذ إنها ليست أدق تاريخياً فحسب، بل تقدّم أيضاً حلاً أكثر واقعية من شعار «عدم التنازل أبداً» الذي طُرح في الثلاثينيات، وأقل مثالية من الدعوة إلى «غرس الفضيلة». كما أنها تتيح فرصة للحديث عن أحد المؤرخين المفضلين لديّ، هيو تريفور روبر، أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد الذي ألهم أجيالاً من الباحثين.
وشهد منتصف القرن الـ17 سلسلة من الثورات والانتفاضات في جميع أنحاء أوروبا. وقطع الإنجليز رأس الملك تشارلز الأول، وألغوا مجلس اللوردات وحلوا البلاط الملكي، مؤسسين جمهورية بيوريتانية بقيادة أوليفر كرومويل. واهتزت الإمبراطورية الإسبانية الجبارة بفعل اضطرابات إقليمية. واختفت مؤقتاً الجمهورية البولندية الليتوانية، أكبر دولة في أوروبا آنذاك. وبينما كان العالم السياسي يتخبّط، سيطر على العالم شعور عارم بالهلاك، وطالبت طوائف غريبة مثل «الحفارين البريطانيين» بقلب المجتمع رأساً على عقب.
وفسّر معظم المؤرخين هذه التطورات من منظور وطني، بينما كان الماركسيون الوحيدون الذين ربطوا بين الثورات الوطنية، عبر تفسيرهم الشامل للصراع بين الرأسمالية والإقطاع. ولكن بعد ذلك، نشر تريفور روبر مقاله عام 1959 بعنوان «الأزمة العامة في القرن الـ17»، ليقدم تفسيراً عابراً للحدود الوطنية أكثر إقناعاً: الصراع بين «البلاط الملكي» وسكان «المقاطعات».
وازداد البلاط الملكي تعجرفاً وانغماساً في الذات في القرن الـ16 وأوائل القرن الـ17. وباع الملوك مناصبهم لدعم أنماط حياتهم الباذخة. وتبنى البلاط قيماً أجنبية، واحتقر من يدفعون لهم رواتبهم، واعتبرهم متعصبين وجهلة. وانتشر فساد البلاط في المجتمع الأوسع، حيث تحوّلت الجامعات إلى حاضنات لرجال البلاط، أو على الأقل لموظفي الخدمة العامة، وعُرضت على الشركات احتكارات كانت تخدم التاج، وأصبح المحامون وكلاء للدولة. وسعى الشباب الطموح إلى العمل في البلاط، أو على الأقل في الحكومة، لكن عدد المرشحين فاق عدد المناصب المتاحة.
وكانت النتيجة انفجار غضب عارم في أنحاء المجتمع، فقد سئمت البلاد من دفع ثمن أنماط حياة فئة لا تسهم في رفاه البلاد أو الصالح العام، ومع ذلك تحتقر فئات الشعب الأكثر إنتاجية. أما الباحثون الطموحون الذين حُرموا من المناصب، فقد انقلبوا على نظام حَكم عليهم بسنوات من الدراسة العبثية.
إن أوجه الشبه مع عصرنا الحالي لافتة. فنحن نواجه من جديد «أزمة عامة»، وليس سلسلة أزمات محلية، بل إن الثورة الكبرى بدأت عام 1994 بانتخاب إيطاليا سيلفيو برلسكوني، لا بانتخاب أميركا ترامب عام 2016. وأصبح لدينا مرة أخرى حركة غير متجانسة، توحدها كراهيتها للنخبة الفاسدة وقناعتها بأن المجتمع يسير في الاتجاه الخاطئ.
والخريطة الجغرافية للثورات الشعبوية المعاصرة تعكس ثورات القرن الـ17. فبريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي «بريكست» تماثل تقريباً بريطانيا «ذات الرؤوس المستديرة» في عهد كرومويل، أي البلدات الصغيرة والريفية.
والأمر المثير للدهشة هو تشابه المظالم، فالشعبويون ينتقدون المؤسسات النخبوية، من الشركات الكبرى إلى الجامعات وشركات الخدمات المهنية، لنفس الأسباب التي جعلت كرومويل ورفاقه يهاجمون البلاط، وهي أنها متعجرفة ومغرورة، وتستخدم علاقاتها السياسية لانتزاع الثروات من بقية المجتمع، وتتبنى قيماً عابرة للحدود بدلاً من القيم الوطنية.
وتلعب ثقافة الوعي الاجتماعي نفس الدور الذي لعبته الأنجلو-كاثوليكية في القرن الـ17 كرمز للرقي، وتؤدي الشهادات الجامعية نفس دور علاقات البلاط الملكي. ويجادل الشعبويون أيضاً بأن الحل الوحيد هو التخلي عن سياسة التسوية وتفكيك منظومة البلاط الملكي ذاتها، أي استبدال «الحزب الواحد» بحزب شعبي، وتفكيك المؤسسات الفاسدة، وإعادة السلطة إلى الأقاليم.
بالطبع، لا تكتمل المقارنات التاريخية بدقة، فلا يمكن مقارنة دونالد ترامب بأوليفر كرومويل، الثوري البيوريتاني الذي احتقر مظاهر البذخ وطالب بأن تُظهر صورته «بكل عيوبه». لكن منتجع مارالاغو، الذي اشتراه ترامب كمقر خاص، لا يبدو كبلاط جديد لملك «جعل أميركا عظيمة مجدداً». ومع ذلك، أظن أن ميول ترامب الملكية قد تكون سبب سقوطه، تماماً كما حُسم سقوط كرومويل عندما حاول توريث الحكم لنجله. فما يوحّد الشعبويين حول العالم ليس طباع ترامب الغريبة، بل الغضب المتنامي ضد نظام الحزب الواحد.
كما تقدم لنا إعادة النظر في حقبة منتصف القرن الـ17 مخرجاً محتملاً من أزماتنا الراهنة، بتقليص نفوذ «البلاط الملكي» وبناء علاقة أكثر صحة واستدامة بين المركز والأطراف. فقد واجهت البلاطات الأوروبية تلك الأزمة العامة بطريقتين: إما بالاستمرار كأن شيئاً لم يحدث، أو عبر الإصلاح.
أما المجموعة الأولى، فقد تجمّدت مثل إسبانيا، حيث استنزف البلاط حياة البلاد، أو انتهت بثورة دامية كما في فرنسا.بينما سلكت المجموعة الثانية، وعلى رأسها بريطانيا وهولندا، طريق التسوية المستدامة بين البلاط والريف، مما ضمن السلام الاجتماعي والازدهار الاقتصادي. فقد قلصوا حجم البلاط، وتوقفوا عن إغداق المكافآت على فئة ضيقة من المجتمع، وضبطوا مؤسسات إنتاج النخب الطامحة إلى حياة البلاط ورجال الدين، وأعادوا للدولة الوطنية مكانتها واحترامها بدلاً من ازدراء الأرستقراطيين.إن الدروس التي يمكن استخلاصها من التاريخ جلية على نحو مدهش. والسؤال الأبرز هو: هل نملك الإرادة السياسية لنتعلم منها؟
*كاتب أميركي
*ينشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»