سادت حالة من الذعر بين مئات الآلاف من الهنود بعد إعلان إدارة ترامب عن رفع رسوم طلبات تأشيرة العمل الأميركية H-1B إلى 100 ألف دولار أميركي. ولطالما واجه برنامج تأشيرة H-1B انتقادات في الولايات المتحدة، بدعوى أنه يسلب الأميركيين فرص العمل. لكن في الوقت نفسه، اعتُبر البرنامج بمثابة استقطابٍ لألمع المواهب من جميع أنحاء العالم، مما ساهم في دعم صناعة التكنولوجيا الأميركية وتعزيز هيمنتها العالمية.
وقد أثار القرار حالة من القلق الشديد في الهند، إذ يشكّل الهنود النسبة الأكبر من المستفيدين من هذا البرنامج. وتمنح الولايات المتحدة نحو 65 ألف تأشيرة سنوياً لأصحاب العمل، الذين يستقدمون عمالاً أجانب بشكل مؤقت في مجالات متخصّصة، بالإضافة إلى 20 ألف تأشيرة إضافية لحاملي الشهادات العليا.
ومن بين نحو 85 ألف تأشيرة سنوياً، يحصل الهنود على ما بين 70 و72% منها كل عام. عقب الإعلان، نصحت العديد من الشركات موظفيها بعدم السفر خارج الولايات المتحدة، لكن مَن كانوا خارجها سارعوا بالعودة إلى الولايات المتحدة قبل موعد سريان القرار.
وفي ظل حالة من الذعر والارتباك حول دلالات هذا القرار، أوضح البيت الأبيض أن الرسوم المُعلنة حديثاً يجب أن يدفعها المتقدمون الجدد، ولن تشمل من يحملون التأشيرة بالفعل. ويُعتبر هذا الارتفاع في الرسوم ضخماً لدرجة أنه يعادل تقريباً الراتب السنوي الكامل لحامل تأشيرة H-1B، إذ يبلغ متوسط الراتب لموظف جديد بهذه التأشيرة حوالي 94 ألف دولار سنوياً، وتتحمل الشركات عادة تكلفة هذه الرسوم سواء أكان الموظف في الولايات المتحدة أم في الهند.
قبل الزيادة، كانت رسوم التأشيرة تتراوح بين 2000 و5000 دولار فقط، وكان أرباب العمل يدفعون هذه الرسوم. أما الآن، فتعني هذه الزيادة أن توظيف هؤلاء العمال المؤقتين أصبح مكلفاً للغاية بالنسبة للشركات.ورغم أن هذا البرنامج متاح للعاملين من جميع الجنسيات، فإن هذه الخطوة ستؤثر على الهند بشكل أكبر. فاليوم يشكل الهنود النسبة الأكبر بين الموظفين الأجانب الحاصلين على هذه التأشيرة، التي تُمنح لمدة تتراوح بين ثلاث وست سنوات للعمل والإقامة في الولايات المتحدة. وبالنسبة للهنود، كانت تأشيرة H-1B تمثل فرصة للعمل في أميركا، ليس فقط للاطلاع على أفضل الخبرات في مجالاتهم، بل أيضاً للارتقاء بأوضاعهم المالية، مما أدى إلى ظهور طبقة جديدة من الهنود الحضريين ذوي الطموحات العالمية.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فمثلت هذه التأشيرات تدفقاً للمواهب من الهند ودول أخرى في قطاعات مختلفة من صناعة التكنولوجيا. وفي دلالة على استقطاب ألمع العقول الهندية، نجد مسؤولين تنفيذيين من أصل هندي في مناصب قيادية في مجموعة من شركات التكنولوجيا، من جوجل إلى مايكروسوفت وآي بي إم. في الواقع، لم تقتصر أهمية تأشيرات H-1B على قطاع التكنولوجيا الأميركي فحسب، بل غذّت القطاع الطبي أيضاً. في عام 2023، مُنح أكثر من 8200 شخص هذه التأشيرة للعمل في مستشفيات الطب العام والجراحة.
ويشكّل خريجو الطب الهنود حوالي 22% من إجمالي الأطباء الدوليين في الولايات المتحدة. أما بالنسبة لقطاع التكنولوجيا الهندي فتُمثل هذه الزيادة الهائلة في رسوم التأشيرة نقطة تحول، إذ سيتعين على الشركات إعادة التفكير في كيفية خدمة عملائها الأميركيين، وربما اللجوء إلى توظيف مواطنين أميركيين محليين. ويشعر قطاع التكنولوجيا الهندي بالقلق إزاء تأثير قيود تأشيرة H-1B، حيث لن تتمكن العديد من شركات البرمجيات التي كانت تستخدم هذه التأشيرة لإرسال الهنود إلى الولايات المتحدة لأداء أعمال محددة لعملائها من القيام بذلك بحرية.
ومن المرجح الآن أن يتم إرسال العمال الأكثر أهميةً فقط إلى الولايات المتحدة. وقد أعربت منظمة «ناسكوم» (NASSCOM)، وهي الهيئة الممثلة لصناعة تكنولوجيا المعلومات في الهند، عن قلقها قائلةً إن هذه الزيادة «قد تعطل استمرارية الأعمال لبعض المشاريع المنفذة داخل الولايات المتحدة». ولا يزال هناك غموض يكتنف كيفية تأقلم قطاعي التكنولوجيا في الهند والولايات المتحدة مع التداعيات القانونية المترتبة على زيادة التأشيرات.
قد تُفرض متطلبات على نقل الإنتاج إلى الخارج أو على الشركات الهندية لتوسيع حضورها في أميركا. كما يعتقد الكثيرون أن زيادة الرسوم قد تؤثر على القطاع الطبي في الولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى نقص في الأطباء وزيادة بحث الجامعات عن طلاب دوليين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM).
ويبدو أن تجارب الرؤساء التنفيذيين من أصل هندي، الذين يرأسون شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، والذين قدموا من الهند، ربما ستصبح تجارب من الماضي. وإضافة إلى ذلك، فإن مسألة التأشيرات، إلى جانب مطالبة إدارة ترامب للهند بوقف شراء النفط من روسيا، أصبحت من القضايا التي تعقد المفاوضات التجارية بين البلدين.
تمر العلاقات بين الولايات المتحدة والهند بفترة من عدم اليقين، إذ تسللت قضية شراء الهند للنفط من روسيا، من بين منغصات أخرى، إلى العلاقة، مما أضرّ بالثقة التي بُنيت على مدى أكثر من عقد من الدعم من جانب الحزبين الرئيسيين في واشنطن. وقد أضفت سياسات إدارة ترامب حالةً من عدم اليقين على العلاقات الثنائية. وبينما تنظر الهند إلى الصورة الأكبر، وتتقدم بحذر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، لا شك في أن قضية التأشيرات أصبحت إحدى أبرز نقاط الخلاف المتنامية بين البلدين.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي