المعلم الوحيد الذي لا يعتبر موظفاً عادياً، بل يعتبر قبل كل شيء مربياً فاضلاً، يفضل أحياناً احتياجات طلبته على مطالبه الشخصية، فهو يضحي بها من أجلهم، وهو القادر على أن يحبب الطلبة في مادته وإنْ كانوا لها كارهين، حتى يتم رسالته. لقد أكد سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، في قوله: نستحضر في اليوم العالمي للمعلم مقولة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه: «إن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون». ونُوجّه تحية تقدير واعتزاز لمعلمي الإمارات الذين واصلوا رسالته في بناء الإنسان وترسيخ مكانة الوطن بين الأمم المتقدمة». لقد كان يُكتب على مدخل كل مدرسة في الأندلس: «الدنيا تستند إلى أربعة أركان: علمُ الأفاضل، وعدلُ الأكابر، ودعاءُ الصالحين، وجلالُ الشجعان».
ودور المعلم الوفي لأخلاقيات مهنته الرسولية، تحويل العملية التعليمية إلى غراس مثمرة، يستفيد منها المجتمع. فعندما يضعف أحد هذه الأركان، تميل الدنيا ويعمّ الظلم والجهل والخوف. فإن غاب علمُ الأفاضل، انتشر الجهل كالوباء، وإن فُقد عدلُ الأكابر، ساد الظلم ولو كانت المحاكم كثيرة، وإن بخل الصالحون بالدعاء، خسرنا ستر الله ولطفه. وإنْ غاب جلالُ الشجعان، رُفعت رؤوس الجبناء. فكن عالماً، أو عادلاً، أو صالحاً، أو شجاعاً، وإنْ لم تستطع أن تجمع سمات كل واحد منهم، فلا تكن معولاً لهدمها. وفى سياق آخر، جاء أن مُعلم المأمون ضربه بالعصا من دون سبب، فسأله المأمون: لِمَ ضربتني؟! فقال له المعلم: اسكتْ. وكلما أعاد عليه السؤال، كان يقول له: اسكت، وبعد عشرين سنة تولى المأمون الخلافة، عندها خطر على باله أن يستدعي المعلم، فلما حضر سأله: «لماذا ضربتني عندما كنت صبياً؟! «فسأله المعلم:» ألم تنسَ؟!
فقال: «والله لم أنس»، فرد عليه المعلم وهو يبتسم: «حتى تعلم أن المظلوم لا ينسى»، وعاد ينصحه قائلاً: «لا تظلم أحداً فالظلم نار لا تنطفئ في قلب صاحبها، ولو مرت عليه الأعوام». أما الرئيس الروسي بوتين، عندما شاهد معلمته العجوز بين حشد من الواقفين، فما كان منه إلا أن خرق البروتوكول وسط دهشة مرافقيه وحراسه، وذهب إلى معلمته وعانقها وعانقته وهي تبكي، وأخذها وهي تمشي بجانبه وسط إعجاب الحضور وكأنها ملكة.
بحثت عن الاحترام للمعلم فوجدته في تلك المواضع. المعلم تنبع من بين يديه أنهارٌ من المعرفة في المجتمع، ابتداء من العالم والضابط والطبيب والمهندس وحتى العامل. المعلم هو أهم شخص في الأوطان المتقدمة، فاحترموا من علمكم.. وعلموا أبناءكم القيمة الحقيقية لهم في الحياة وبناء المجتمع على أُسس سليمة ومستقبل واعد للأجيال الجديدة. واجعلوا لهم في صلواتكم، نصيباً من دعواتكم، اللهم اغفر لكل من علمنا حرفاً نافعاً حياً وميتاً ولا تستثنِ منهم أحداً.
*كاتب إماراتي