نشطاء السلام وغيرهم من المنتمين إلى الفكر اليساري والاشتراكي يميلون إلى إضافة كل من السلام السلبي والسلام الإيجابي في تعريفهم للسلام. ويرون بأن السلام الإيجابي يوضح نمو المجتمع الذي يتم إصلاحه، حيث تبدو مظاهر العنف وقد تمت إزالتها من المشهد السياسي بشكل واسع، وحيث تسود درجة عالية من العدالة الاجتماعية واللاعنف التي يتم تأسيسها، وبذلك يتم اعتبار الصراع والعنف والحرب بأنها مظاهر غير محتملة الوقوع، ويصبح المجتمع مجتمعاً سلمياً.
وهنا يصبح التركيز منصباً بدرجة أقل على إيقاف أو منع الصراعات، لأنها أصبحت غير موجودة، ويتحول نحو الحاجة إلى بقاء السلام وترسيخه وديمومته واستدامته، ونحو إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بحل أزمة الصراع المستدامة، وخلق أوضاع يستطيع البشر وفقاً لها تحقيق أهداف مشروعة دون استخدام العنف. إلى حد ما يمكن إجراء المقارنة بين السلام السلبي المعرف وفقاً للمنهج التقليدي وبين مقولات مؤيدي منهج «الدواء الخلاق» من جانب وبين مؤيدي المجتمع الذي يتم إصلاحه وفقاً لفكرة السلام الإيجابي ومن يناصرهم من أصحاب مقولة «الدواء المانع» والإجراءات التي تخلق مقاومة طبيعية ضد الأمراض من جانب آخر.
وينتج عن ذلك أن مقولات العنف التي يطرحها أصحاب المدرسة السلوكية تصبح مفيدة في تركيز الانتباه على العديد من مصادر عدم المساواة أثناء حل أزمة الصراع في كافة المجتمعات البشرية، ما يخلق أزمة أمام البشر عند الرغبة في وضع استراتيجيات السلام. بعض علماء السياسة يطرحون بأن معظم الصراعات بين الجماعات يتم التسبب فيها من قبل العلاقات القائمة بينهم كنتيجة للطرق التي يتم بها تطوير البنى الاجتماعية.
أولئك العلماء يطرحون بأن التغير في السلوك أو التوجهات أو الآراء أو المواقف لن تكون مفيدة في تحقيق السلام، ما لم تكن البنى الأساسية ذاتها قد تغيرت. إن النظرة البديلة هي أن تكون القيم الإنسانية والعلاقات الإنسانية أكثر أهمية من المؤسسات أو البنى، وبأنه إذا ما كان السائد هو مظاهر عدم المساواة، فإن السلام لن يتحقق إلى أن تتحسن الأوضاع وتبنى على أسس من العدل والمساواة. عدد من المفكرين في الغرب كان لهم تأثير في دراسات السلام حول العالم ولا تزال أفكارهم وطروحاتهم يستعان بها في هذه الدراسات حتى اليوم، لكن كما أشرنا معظم هؤلاء ينتمون إلى الفكر اليساري واليسار الجديد. هؤلاء ينادون بتطوير «علاقات عادلة» سواء في داخل الدول أو بين الدول وبعضها بعضاً، وببنى متغيرة تقوم وفقاً لفكرهم اليساري الجديد وبالصيغ المتعددة للمجتمع البديل.
وفي هذا السياق استخدمت استراتيجية معينة لإظهار وتحقيق إصلاحات ذات قيمة قوامها وجود فاعلين ينتهجون المقاومة اللاعنفية كما تمت ممارستها من قبل الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي وداعية الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الدكتور مارتن لوثر كنج.
هذه الاستراتيجية يتم تبنيها عادة اعتماداً على القوة المستمدة من السلبية. ختاماً ما يوجد في قلب السلام السيئ والإيجابي قانون يتعلق بالوسائل والنتائج التي تستخلص منها العلاقات الإنسانية النتائج التي تكتسب تنحو بأن تكون من طبيعة الوسائل المستخدمة نفسها: فالعنف والكراهية يولِّدان المزيد من العنف والكراهية، لكن السلام والوئام دائماً ما يقود إلى الهدوء والسكينة وإعادة النظر في الأمور.
*كاتب إماراتي