مع وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى في غزّة ترتسم بداية النهاية للحرب، لتبدأ جهودٌ معظمها سياسي لإدارة القطاع والحفاظ على هويته الفلسطينية والعربية، ولضرورة الربط بينه وبين الضفة الغربية، كي تبقى هناك أسسٌ على الأرض لما يُفترض أن يصبح «دولة فلسطين» بعد نيلها اعترافات دولية واسعة، حتى لو تأجّل إعلانها بعضاً من الوقت.
وفيما حُدّد «إصلاح السلطة الفلسطينية» كشرط لازم لقيام تلك «الدولة»، ينبغي الإقرار بأن الظروف الذاتية لنشوء تلك السلطة والصراعات الداخلية عليها لم تكن مساعِدة في تأهيلها، كما أن التمسّك الإسرائيلي بـ «عقيدة» ترسيخ الاحتلال والتوسّع في الاستيطان وضمّ الأراضي شكّل عقبةً أمام تحقيق السيناريو المفضّل أميركياً وحتى أوروبياً: انبثاق «الدولة» من التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي.
فما تبيّن قبل حرب غزّة وتأكّد خلالها أن أطرافاً سياسية إسرائيلية عملت وتعمل في اتجاهين: إما طرد الفلسطينيين من أرضهم، أو إنشاء معازل فلسطينية غير مترابطة يمكن محاصرتها والسيطرة عليها أمنياً واعتبارها «مناطق حكم ذاتي». وهذا لا يشكّل حلاً «عادلاً»، ولا يؤسِّس لـ «سلام شامل ودائم». ورغم أن «خطة ترامب للسلام» لم تتجاهل كلياً مسألة «الدولة الفلسطينية» واعتبرتها أملاً مشروعاً للشعب الفلسطيني في إطار تقرير مصيره، إلّا أنها تجنّبت الإشارة إلى المعايير والشروط المطلوبة لإقامتها.
إذ سبق لإدارة ترامب الأولى أن اعتمدت في مقاربة الشأن الفلسطيني مفاهيم عدة مخالفة للقوانين الدولية، منها مثلاً: لا وجود لاحتلال، لا قيود على الاستيطان، لا دولة ولا سيادة.. وعلى هذه الأسس بُنيت «صفقة القرن» التي تعترف ضمناً بأن الشعب الفلسطيني ومناطقه يخضعان للسيادة الإسرائيلية.
وفي الآونة الأخيرة، وبموازاة حرب غزّة، اقتربت إسرائيل من دفن «حل الدولتين» وبدت واشنطن كأنها تمكّنها من ذلك. لكن التحرك الدولي الذي عبّر عنه «إعلان نيويورك» واعتراف دول غربية للمرة الأولى بـ «دولة فلسطين» ساهم في تعديل موقف إدارة ترامب، تحديداً لأن ذلك «الإعلان» طالب بإنهاء الحرب وتضمّن أيضاً موافقةَ دول عربية وإسلامية على نزع سلاح حركة «حماس» وتفكيك حكمها في غزّة.
وفي المقابل، قضى إنهاء الحرب، وفقاً لـ «خطة ترامب»، بعدم فرض التهجير القسري لسكان غزّة، وبمنع أي ضمٍّ للضفة الغربية أو أجزاء منها، وشكّل ذلك نوعاً من الضغط الأميركي على إسرائيل وخطوة تتعامل بإيجابية مع قلق مصر والأردن.
وكان المتطرّفون في الحكومة الإسرائيلية قد سعوا بقوّة إلى تشريع هذين الإجراءين وتطبيقهما، كما خطّطوا لمشاريع تحيي مستوطناتٍ كانت سابقاً في غزّة وتوسّع المستوطنات الكبرى لتصبح مدناً جديدة في الضفة. ولا شك في أن وقف هذين الإجراءين ساهم أيضاً في استبعاد مشروع «إسرائيل الكبرى» من التداول، وبالتالي في خفض مستوى التوتر الإقليمي الذي أثاره. وبذلك سادت فكرة أن إنهاء الحرب لا يتعلق بغزّة فحسب، بل بالسلام الذي طال انتظاره في الشرق الأوسط.
وبالنسبة للعديد من المحللين، هناك الكثير من الشبه بين مشهد المنطقة غداة إعلان «خطة ترامب» والحراك الديبلوماسي الذي رتّبته، وبين مشهدها في مؤتمر مدريد 1991 الذي دعا إليه جورج بوش الأب بعد حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي.
ورغم وجود فوارق فإن الهدف واحد، وهو إيجاد «عملية سلام» وتفعيلها بقاطرة تقودها الولايات المتحدة بشكل رئيسي. وكما كان هناك حضور عربي مؤثّر في مؤتمر مدريد، فإن المواكبة العربية للمراحل التالية من التفاوض ما لبثت أن تلاشت. هناك حضور عربي أكثر تأثيراً هذه المرّة، مع وعي متزايد بأن استباق المخاطر ينبغي ألا يُترك للتدخلات والمفاجآت.
*كاتب ومحلل سياسي - لندن