طه حسيب (أبوظبي)

=«أسبوع الغذاء العالمي» يعزز مكانة الإمارات مركزاً دولياً للابتكار الزراعي

=الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لتسريع التحول في النظم الغذائية بدول الجنوب العالمي

=التعايش بين الجوع والوفرة مفارقة مؤلمة في النظام الغذائي العالمي

 

يوم الأغذية العالمي 16 أكتوبر فرصة لتسليط الضوء على التحديات التي تعاني منها كثير من دول الجنوب العالمي في الإنتاج الزراعي، وأيضاً مناسبة مهمة لتسليط الضوء على التجارب والمبادرات الناجحة في قطاع استراتيجي يتمثل في الأمن الغذائي.

وأكد الدكتور أحمد مختار، القائم بأعمال ممثل (الفاو) في الإمارات أن شعار يوم الأغذية العالمي لهذا العام، «يداً بيد من أجل غذاء أفضل ومستقبل أفضل»، يعكس دعوة «الفاو» للتعاون العالمي من أجل بناء نظم غذائية مستدامة تضمن حصول الجميع على غذاء صحي، مع احترام البيئة وكوكب الأرض.

وفي ظل التطور التقني المتسارع ، تحرص «الفاو» على توظيف الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لتسريع التحول في النظم الغذائية، خصوصاً بدول الجنوب العالمي التي تواجه تحديات معقدة في الإنتاج الزراعي وإدارة المياه والتكيف مع التغير المناخي.

وأوضح مختار أن «الفاو» تدعم البلدان في إعداد خرائط طريق وطنية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الزراعة، وتعزيز البيانات المفتوحة القابلة للقراءة الآلية، لتمكين الباحثين والقطاع الخاص من تطوير حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي تهدف إلى تحسين الإنتاجية واستدامة الموارد.

وتشمل المبادرات استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالكوارث البيئية، ومراقبة الجفاف والأمراض الزراعية، بما يوفر أدوات صناع القرار للوقاية المبكرة والاستجابة السريعة. أهداف التنمية المستدامة وفي تصريح خاص لــ«الاتحاد» أكد مختار أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد قفزة تكنولوجية، بل رافعة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، شريطة أن يكون استخدامه مسؤولاً ومنصفاً، ويضمن وصول المزارعين الصغار إلى فوائده دون توسيع الفجوة الرقمية بينهم وبين كبار المنتجين.

وأضاف مختار: تعمل منظمة «الفاو» على تعزيز نظام «العمل الاستباقي» عبر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي لتحسين التنبؤات بالمخاطر المناخية، وتحديد «المحفّزات» التي تُطلق التدخلات المبكرة قبل وقوع الكوارث.

ويهدف هذا النهج إلى حماية سبل العيش وتقليل الخسائر في الأرواح والمحاصيل والمواشي. في جمهورية لاوس الديمقراطية الشعبية، على سبيل المثال، استخدمت الفاو تقنيات الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بموجات الجفاف والفيضانات، ما ساعدها على التدخل في التوقيت المناسب وتقليل الأضرار. وفي القرن الأفريقي، خصوصاً في الصومال، ساعدت نماذج المناخ المتقدمة المرتبطة بظاهرة «إل نينيو» على تفعيل خطط العمل الاستباقي مبكراً.


أسبوع الغذاء العالمي في أبوظبي

بعد أيام قليلة، وخلال الفترة من 21إلى 23 أكتوبر الجاري،  تستضيف أبوظبي «أسبوع الغذاء العالمي»، وهي مناسبة  سنوية عالمية مهمة لمواكبة كل ما هو جديد ومبتكر في مجال الأمن الغذائي وسياسات الإنتاج الزراعي على الصعيد العالمي،وأهمية هذه المناسبة تكمن في تعزيز قطاعات الزراعة بما يحقق الأمن الغذائي عبر الابتكار وتوظيف التكنولوجيا.

ويرى أحمد مختار أن «أسبوع الغذاء العالمي» في أبوظبي منصة عالمية رائدة تجمع بين صناع القرار والباحثين ورواد التكنولوجيا الزراعية لتبادل الأفكار حول سبل تحقيق الأمن الغذائي من خلال الابتكار.

وأكد أن تنظيم هذا الحدث تحت رعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، يعكس التزام دولة الإمارات بتعزيز الحوار الدولي حول النظم الغذائية المستدامة ودعم الجهود العالمية لتحقيق الأمن الغذائي للجميع.

وتأتي مشاركة «الفاو» لتأكيد أهمية التكامل بين القطاعين العام والخاص، ونشر التطبيقات الرقمية والزراعة الذكية مناخياً، وبناء قدرات المزارعين على التكيف مع التحول الرقمي. كما يشكل الحدث فرصة لتعزيز الاستثمارات في الزراعة المستدامة، وإطلاق مبادرات تعاونية جديدة تسهم في تعزيز مرونة النظم الغذائية، إقليمياً وعالمياً.

 

ويعزز «أسبوع الغذاء العالمي» مكانة الإمارات مركزاً دولياً للابتكار الزراعي ويبرز الدور القيادي للمنطقة في بناء مستقبل أكثر استدامة للغذاء. 673 مليون شخص يعانون الجوع في العالم يعاني 673 مليون شخص الجوع، وفي أماكن أخرى، يشير ارتفاع مستويات السمنة وانتشار المهدر من الأغذية على نطاق واسع إلى وجود نظام غير متوازن - حيث تتعايش الوفرة والعوز جنباً إلى جنب في كثير من الأحيان.

 

مفارقة مؤلمة في النظام الغذائي العالمي

وعلى ضوء هذه المعطيات أشار مختار في تصريحه الخاص لـ«الاتحاد» إلى أن التعايش بين الجوع والوفرة يمثل مفارقة مؤلمة في النظام الغذائي العالمي، إذ تشير تقديرات الفاو إلى أن 673 مليون شخص ما زالوا يعانون الجوع، بينما تتزايد معدلات السمنة والفاقد والمهدر من الأغذية. وترتكز الرؤية الاستراتيجية للفاو على الإطار الاستراتيجي 2022–2031 الذي يهدف إلى تحويل النظم الغذائية لتصبح أكثر كفاءة وشمولية واستدامة.

وحسب مختار، يقوم هذا الإطار على ثلاث ركائز مترابطة، أولاً القضاء على الجوع وسوء التغذية من خلال دعم الدول في إعادة توجيه الدعم الزراعي نحو إنتاج أغذية مغذية وربط برامج الحماية الاجتماعية بالتغذية الصحية.

ثانياً الحد من الفاقد والمهدر، إذ تشير بيانات الفاو إلى أن نحو 13% من الأغذية تُفقد بعد الحصاد و19% تُهدر في مراحل البيع والاستهلاك، وتدعم الفاو حلولاً قائمة على الاقتصاد الدائري لتحويل الفاقد إلى منتجات مفيدة وتقليل الانبعاثات.

ثالثاً تعزيز الاستهلاك المسؤول من خلال تطوير دلائل التغذية المستندة إلى النظم الغذائية ودعم حملات التوعية التي تشجع على أنماط استهلاك صحية ومستدامة. ومن خلال هذه المقاربة الشاملة، تعمل الفاو على بناء ثقافة غذائية جديدة توازن بين الإنتاج والاستهلاك وتحافظ على الموارد الطبيعية بما يضمن الأمن الغذائي للأجيال القادمة.

التجربة الإماراتية

رغم تحديات شح الماء والظروف المناخية الصعبة، تشهد منطقة الخليج طفرة في تقنيات الزراعة وتشجيع الانتاج المحلي لمواجهة اضطرابات سلاسل التوريد، والإمارات قدمت نموذجاً ملهماً في مواجهة هذه التحديات، وتشجيع الإنتاج الزراعي عبر خطوات عملية. وفي السياق ذاته، أكد مختار أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بها أكثر من 151 مليون شخص لا يستطيعون تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، ما يجعل الابتكار الإماراتي نموذجاً إقليمياً يحتذى به.

ويرى محتار أن الإمارات نجحت في تحويل تحديات المناخ القاسي وقلة الموارد المائية إلى فرص من خلال تبني التكنولوجيا الزراعية الحديثة، ودمج السياسات الحكومية مع الاستثمارات البحثية والتجارية. وأوضح مختار أن تعاون «الفاو» مع المؤسسات الوطنية في الدولة يعكس هذا النهج، سواء عبر دعم برامج الزراعة الذكية مناخياً أو تعزيز كفاءة استخدام المياه في الزراعة.

وأشار مختار إلى أنه من أبرز المبادرات، «وادي تكنولوجيا الغذاء»، الذي ينتج ملياري نبتة سنوياً، ويركز على الزراعة الرأسية أو العمودية، وإعادة تدوير الفاقد الغذائي، ومجمع الأغذية في أبوظبي الذي يعزز التجارة الغذائية الإقليمية باستخدام تقنيات حديثة في التخزين والنقل، إضافة إلى برنامج إدارة الطلب على المياه 2050 الذي يدعم التحول إلى نظم زراعة موفرة للمياه مثل الزراعة المائية والعمودية، موفراً حتى 90% من المياه ويتيح الزراعة على مدار السنة.

وهذه التجارب، يضيف مختار، جعلت الإمارات في طليعة الدول التي تبني نموذجاً متكاملاً للأمن الغذائي القائم على الابتكار والاستثمار في المعرفة والشراكات الدولية، وهو ما يتماشى تماماً مع أهداف «الفاو» في المنطقة. وأوضح مختار أن «الفاو» تعاونت مع هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية (أدافسا) على تطوير «الخطة الرئيسة للتنمية الزراعية المستدامة في إمارة أبوظبي 2025–2034».تهدف هذه الخطة العشرية إلى تعزيز الإنتاجية الزراعية المستدامة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية، وتعزيز الأمن الغذائي، من خلال تطبيق ممارسات الزراعة الذكية مناخياً، وتطوير أدوات دعم القرار، وتدريب الكوادر الفنية، بما يتماشى مع استراتيجية الإمارات لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050.

ثلاثية الغذاء والماء والمناخ

ثلاثية الغذاء والماء والمناخ معادلة منطقية يسفر اختلالها عن أزمات غذائية وموجات نزوح واضطرابات اجتماعية تعرقل التنمية المستدامة.

ويرى الدكتور أحمد مختار أن الفاو تتبنى نهجاً متكاملاً لمعالجة العلاقة بين الغذاء والماء والمناخ، يقوم على إدارة الموارد الطبيعية ضمن إطار واحد يربط بين الزراعة والطاقة والنظم البيئية.

ويتم تطبيق هذا النهج عملياً من خلال مبادرة الندرة المائية الإقليمية، التي تهدف لدعم بلدان الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في تطوير سياسات متكاملة لإدارة المياه، ورفع كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة.

وطرح مختار أبرز الإحصائيات المتعلقة بالماء: 1.8 مليار شخص كان يُتوقع أن يعيشوا في مناطق تعاني من «ندرة مائية مطلقة» (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنوياً) بحلول عام 2025، ثلثا سكان العالم قد يواجهون ظروفَ «ضغط مائي» (بين 500 و1000 متر مكعب للفرد سنوياً). و الزراعة تستهلك 70% من المياه العذبة المستخدمة عالمياً، ما يُبرز أهمية تحسين كفاءة استخدام المياه في هذا القطاع. كما أن المنطقة العربية تُعد من أكثر المناطق التي تعتمد على الري، حيث تُستخدم 77% من الموارد المائية في شمال أفريقيا للري.

وأكد مختار أن «الفاو» تعزز استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة لمواجهة تحديات المياه، مثل الزراعة من دون تربة واستخدام المياه المُعالَجة. كما تنفذ «الفاو»، بالتعاون مع «صندوق المناخ الأخضر» مشروعاً لدعم الحلول التي تعالج ترابط الماء والطاقة والغذاء والأنظمة البيئية، بهدف تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ. وبالإضافة إلى ذلك، تنظم «الفاو» ورش عمل فنية حول نهج الترابط بين الماء والطاقة والغذاء لتبادل الخبرات ووضع معايير استخدام المياه بكفاءة في الزراعة.

ومن الأدوات المبتكرة في هذا المجال أداة Drought Finance Tracker 2.0، التي تستخدم التعلم الآلي لتتبع تمويل الجفاف على المستويين العالمي والوطني، وتغطي جميع أنواع الجفاف: الجوي والزراعي والهيدرولوجي، مع تقديم تحليلات مالية دقيقة لدعم صناع القرار ومشاريع التكيف مع الجفاف.