في اليوم الدولي للقضاء على الفقر، الذي يصادف السابع عشر من أكتوبر من كل عام، تتجه أنظار العالم إلى الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الفقر والتخفيف من معاناة الملايين، فيما تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج فريد في الجمع بين البعد الإنساني والنهج التنموي المستدام، ضمن رؤية شاملة تجعل كرامة الإنسان محوراً لكل سياساتها.
وقد أصبحت الإمارات دولة مانحة رائدة، تقود مشروعات كبرى تلامس جوهر التنمية البشرية، وتعيد تعريف مفهوم العطاء الإنساني في القرن الحادي والعشرين. على الصعيد الدولي، تبوأت الإمارات موقعاً متقدماً بين أكبر المانحين في العالم قياساً إلى دخلها القومي، وفق تقارير لجنة المساعدات الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، إذ تجاوزت قيمة مساعداتها الخارجية 80 مليار دولار خلال العقد الأخير، واستفاد منها أكثر من 140 دولة في مختلف القارات. ولم تقتصر هذه المساعدات على الإغاثة الطارئة، بل شملت برامج تنموية في التعليم، والصحة، والمياه، والبنية التحتية، وتمكين المرأة والشباب، في إطار استراتيجية تهدف إلى استئصال جذور الفقر لا مظاهره فقط.
تُعد مبادرة «مليار وجبة» التي أطلقتها الإمارات واحدة من أضخم المبادرات الإنسانية في العالم، إذ تجاوزت حتى منتصف العام 2025 مليار وجبة موزعة في 65 دولة، بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي ومنظمات الأمم المتحدة. وتمثل هذه المبادرة أكثر من مجرد حملة إغاثة غذائية، فهي تعبير عن رؤية إماراتية تعتبر الأمن الغذائي مدخلاً أساسيّاً لمكافحة الفقر وتعزيز الاستقرار المجتمعي. كما أطلقت الإمارات برامج مستدامة لمكافحة سوء التغذية في دول أفريقية مثل النيجر والسنغال والكونغو الديمقراطية، من خلال بناء محطات مياه نظيفة وتوفير الدعم الزراعي والتقني للمجتمعات الريفية. في الجانب الاقتصادي، أدت الإمارات دوراً محورياً في تمويل برامج النمو في الدول منخفضة الدخل، إذ ساهمت بـ200 مليون دولار في الصندوق الاستئماني للنمو والحد من الفقر التابع لصندوق النقد الدولي، وأعلنت عام 2024 تخصيص 100 مليون دولار لدعم التحالف العالمي لمكافحة الجوع والفقر الذي أُقر خلال «قمة العشرين».
وتدعم الإمارات مشروعات إنتاجية صغيرة ومتوسطة في آسيا وأفريقيا عبر «صندوق أبوظبي للتنمية»، الذي موّل منذ تأسيسه أكثر من 550 مشروعاً تنموياً بقيمة تجاوزت 45 مليار درهم. ولا يقتصر نهج الإمارات على الدعم المالي، بل يتعداه إلى التمكين المعرفي وبناء القدرات البشرية في الدول الفقيرة. إذ تُنفذ مؤسسات إماراتية عدة، مثل «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة» و«مؤسسة الإمارات للتعليم»، برامج تعليمية وتدريبية في مجالات المهارات الرقمية وريادة الأعمال. كما أطلقت مبادرة «تعليم دون انقطاع» لدعم التعليم عن بُعد في المناطق المتأثرة بالأزمات الإنسانية.
وتستند هذه الجهود إلى منظومة قيم إنسانية متجذّرة في ثقافة الإمارات، تجمع بين الشفافية والحياد والاستدامة، وتعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. كما أسهمت الإمارات في تطوير معايير قياس الأثر الإنساني بالتعاون مع الأمم المتحدة، لضمان توجيه المساعدات نحو تحقيق نتائج ملموسة ومستمرة.
ومع تصاعد التحديات العالمية الناتجة عن الأزمات المناخية والاقتصادية، تطرح الإمارات نموذجاً عملياً لمكافحة الفقر عبر الاستثمار في التنمية البشرية والتكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري، باعتبارها أدوات فعالة لتحقيق العدالة الاجتماعية. فمبادرات الإمارات في مجالات الطاقة المتجددة والمياه والزراعة الذكية لا تخدم فقط بيئتها المحلية، بل تمتد آثارها إلى دول نامية عديدة تستفيد من الخبرة الإماراتية في مواجهة آثار التغير المناخي على الفئات الفقيرة.
تُجسّد دولة الإمارات نهجاً إنسانياً متكاملاً يُعيد تعريف مفهوم المساعدة الدولية من العطاء المؤقت إلى الشراكة في بناء مستقبل أكثر إنصافاً واستقراراً. إنها تُعزز التنمية بالمعرفة، وتُكرّس حضورها العالمي كقوة خيرٍ ملهمة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.
ومع استمرار هذه الرؤية الطموحة، تواصل الإمارات المضيَّ بثبات نحو عالمٍ خالٍ من الفقر، تُصان فيه كرامة الإنسان، ويعلو فيه صوت التضامن الإنساني كأسمى تعبير عن حضارة تؤمن بالإنسان أولاً وآخراً.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.