تُعبّر الهوية عن مبدأ وحدة الشيء واستمراره رغم التغيّر، فهي تدلّ على تصوّر الفرد لذاته كما يتشكّل من خلال تفاعله مع الآخرين ومع الأطر الثقافية التي ينتمي إليها.

أما الذاكرة فهي سيرورة معرفية معقدة تحتوي مجموعة من العمليات من بينهما التّرميز والتّخزين والاسترجاع، وقد اعتبر الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن هوية الإنسان تكمُن في هذا الشعور الذي يقترن بالفكر على نحو دائم، وبقدر ما يمتد ذلك الشعور بعيداً ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية بقدر ما تمتد هوية الشخص وتتسع. فالذاكرة عند جون لوك، بما تتمثّله من شعور، تجعل ذاتنا الحالية هي نفس الذّات الماضية. على أساس أن «الفعل الماضي إنما صدر عن الذّات نفسها التي تدركه في الحاضر».

إن هويتنا الحقيقة مرتبطة بالذاكرة، إنه درس مهم، نتعلمه من جون لوك كما نتعلمه من الكتاب الأخير الذي أصدرته أستاذتان من جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، د وديمة الظاهري ود. شيخة الكربي والموسوم بـ«الأسرة في بادية أبوظبي». وهو كتاب يدخل في إطار إحياء التقليد الشّفهي، إحياء يجعله ضمن «التاريخ الشفاهي» الذي هو حصيلة ما يرويه الشّخص من ذكرياته ودوره في الأحداث التي قامت في تلك الفترة»، تاريخ خاضع «لمنهج جاد لجمع هذه الروايات الشفهية وتحليلها وتوثيق المعلومات التاريخية التي وردت فيها»، كما عبرت عن ذلك د. وديمة في مقدمتها للكتاب.
 وقد استطاع معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، في تقديمه للكتاب، سبر غور هذه العلاقة بين الهوية والذاكرة، وهو ينبّه إلى هذه الذّاكرة الحيّة المتمثّلة في الشّيخة صبحة محمد بن جابر الحنبلي، وهي «ترصد بعض معالم الماضي القريب بعين واعية تدرك دور الأسرة في بناء المجتمع». إن الماضي هنا هو ماضي أسرة مشبع بدلالات المحافظة على المجتمع ومعاني الأخلاقيات الضّابطة للإنسان، أسرة الذاكرة الممتدة من الأجداد إلى الآباء لوصل الحاضر بالماضي، وجعل القيم التّليدة جزءاً من الهوية المتجدّدة، والتي نبّه معالي الشيخ نهيان أن الشّعر كان جزءاً منها «في تشكيل وعي المجتمع وتحديد أولوياته»، وهي لفتة نفاذة، وظاهرة مهمة في حياة البادية في كل العصور.
يجول بنا الكتاب في حقل دلالي واسع مرتبط بالرموز التي تنبثق من مفهومي «الأسرة» و«البادية»، واصلاً إياها بالسّياق الإماراتي ومبيناً فضاءها الفطري الرحيب وما يعجُّ به من قيم وعادات وتقاليد، ومبرزاً أهم الأدوار التي قامت بها الأسرة في مجتمع البادية في تنشئة الأجيال، من خلال الوقوف عند طرق التربية والتّعليم والتّقنيات الأصيلة في غرس القيم اللّاحمة للمجتمع، ليختم الكتاب بضرب من البروفايل لشخصيات رجالية ونسائية مهمّة من بادية أبوظبي أسهمت في صياغة معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البادية.
لقد استطاع هذا الكتاب أن يسترجع الرّوح القويّة للأسرة في بادية مدينةٍ أصبحت حاضرة عالمية، روح خزّنتها ذاكرة سيّدة عرفت كيف تفك شفرات رموز حياة قائمة على الطّبيعة والفطرة بأخلاقها القوية والناّعمة. وقد ختمت الدّكتورة شيخة الكربي هذا الكتاب القيم بتأكيدها على هذه العلاقة المتينة بين الهوية والذّاكرة حين لفتت العناية إلى هذه الأسرة الحاضنة للتربية، باعتبارها «ركيزة أساسية ساهمت في بناء المجتمع الإماراتي»، يمتدّ تأثيرها للحاضر ويشرئبُّ هذا التّأثير للمستقبل أيضاً، وهو ملمحٌ لطيفٌ لامتداد الذّاكرة في الزّمن لتظلّ الذّاكرةُ اللّاحمةَ القويّة للهوية المتجدّدة، هويّة تعرف أين تحيا أصولها لتجدها، وكيف تشرُفُ آفاقُها، لتربط التّالد بالطّارف من أجل هوية منفتحة تمتح من عبق التّاريخ، وترشُف من رحيق الحاضر، وتغرس فسائل المستقبل.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.