لا يُمثل الاتفاق الذي تم التوصل إليه منذ أيام بين إسرائيل وحركة «حماس» سلاماً أبدياً، كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا يمكن اعتباره النصرَ الكاملَ الذي وعد به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فما دامت إسرائيل تُواصل سياساتها التوسعية في الضفة الغربية، فلن يُقدم الاتفاقُ مساراً موثوقاً لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، لاسيما بعدما سالت الكثيرُ من الدماء، وشوهت صدماتٌ كثيرةٌ جيلاً كاملاً من الإسرائيليين والفلسطينيين، مما يجعل السلامَ الدائم مُستحيلاً، على الأقل في المستقبل القريب.
لكن للمرة الأولى منذ عامين، يقدم اتفاق بوساطة أميركية مَخرجاً محتملاً من الأهوال الدموية المتبادلة التي اندلعت بين الإسرائيليين والفلسطينيين منذ 7 أكتوبر 2023. ومع وجود قيادة مركّزة وحازمة، قد يصبح بالإمكان رسم مسار أفضل للشعبين.
وينص الاتفاقُ على أن تفرج حركة «حماس» عن الرهائن الإسرائيليين مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين، وأن تنسحب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وأن تَسمح إسرائيل بدخول المساعدات الإنسانية. وتمثل هذه البنود العناصر القليلة التي وافق عليها الطرفان ضمن الخطة المكوَّنة مِن 20 نقطة التي اقترحتها الولايات المتحدة الشهر الماضي، والتي تهدف إلى إنهاء شامل للحرب بين إسرائيل و«حماس».
ومع وجود طرفين يتعهد كلٌّ منهما بتدمير الآخر، فإن المخاطر المرتبطة بخطة غامضة معظم تفاصيلها قيد التفاوض، واضحة تماماً. فلكل من إسرائيل و«حماس» القدرة على التأثير في وتيرة تنفيذ البنود، وقد تعيقان التقدم. كما أن الخطة تفتقر للتفاصيل المتعلقة بكيفية الانتقال من مرحلة إلى أخرى، وآليات الرقابة والامتثال والمتابعة، وغياب الإجراءات في حال تخلف أحد الطرفين عن تنفيذ التزاماته.
الخلل الآخر في هذه الخطة هو أنها مُصممة خصيصاً لتلبية احتياجات ومتطلبات إسرائيل، شأنها شأن العديد من المبادرات الأميركية السابقة. وبالطبع، يعارض بعض الوزراء المتطرفين في حكومة نتنياهو بعضَ بنودها. فالخطة تلغي أيَّ تصور لإجبار الفلسطينيين على مغادرة غزة، وتدين أيَّ احتلال أو ضم إسرائيلي للقطاع، كما تتضمن الإفراجَ عن فلسطينيين أدينوا بقتل إسرائيليين. ومع ذلك، تتماشى الخطةُ بقوة مع أهداف نتنياهو، أي أولوية إعادة الرهائن، ونزع سلاح «حماس» وإنهاء حكمها في غزة. أما الحديث عن إقامة دولة فلسطينية، فلا يتعدى الإشارة إلى «مسار غامض» نحو هذا الهدف.
وربما كان أكثر البنود المؤيدة لإسرائيل في الخطة، أي الإفراج عن الرهائن، هو ما يتيح أفضلَ فرصة لنزع فتيل الصراع وتحسين أوضاع المدنيين الفلسطينيين في غزة. فعندما يُطلق سراح الرهائن، ستتراجع مبررات دعم استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، على الأرجح تحت ضغط واشنطن ودول عربية رئيسية.
وبعد إطلاق سراح الرهائن، يفترض أن تنفذ إسرائيلُ انسحاباً محدوداً. وستبقى خطوط القتال التي جرى تحديدها في الاتفاق مجمدةً حتى تتحقق شروطُ الانسحاب الكامل على مراحل. وستتدفق المساعدات الإنسانية «دون تدخل» من «حماس» أو إسرائيل، كما ينص الاتفاق. وسيكون دور الوسطاء، مصر وقطر وربما تركيا، لكن بالأساس الولايات المتحدة، حاسماً في ضمان تنفيذ هذه الترتيبات من خلال المراقبة والضغط.
لكن، مع بداية العام الثالث لهذه الحرب، التي بدأت بمقتل 1200 شخص في إسرائيل على يد مقاتلي «حماس»، والتي أدت إلى مقتل عشرات آلاف الفلسطينيين ودمار غزة، هل أصبحنا أقرب من أي وقت مضى إلى احتمال إنهائها؟
ويبدو أن القادة العسكريين لـ«حماس» على الأرض، المسؤولون عن اتخاذ القرارات، تحت ضغط من القيادة الخارجية لقبول هذه الصفقة وضمان البقاء السياسي للحركة. كما يحتمل أن تكون الحركة قد قررت أن الاحتفاظ بالرهائن يُشكل عبئاً متزايداً، لأنه يسمح لإسرائيل بمواصلة العمليات العسكرية الشاملة والضغط على «حماس» نفسها بلا نهاية.
إلا أن العامل الرئيسي وراء الاتفاق كان ضغط ترامب على نتنياهو، وكان من الواضح أن هذا الأخير لم يرغب في إبرام الصفقة. وفي عرض غير مألوف للضغط الرئاسي الأميركي على زعيم إسرائيلي، أجبره ترامب على القبول. وكما أشار الصحفي الإسرائيلي ناحوم برنياع، فإن ترامب لا يهدد نتنياهو، بل يأمره.
لا يمكن التنبؤ بما إذا كانت عناوين الأمل والوعود التي صاحبت مبادرة ترامب بشأن غزة ستؤدي حقاً إلى إنهاء الحرب، فضلاً عن خلق زخم نحو سلام أوسع نطاقاً. وتنطوي كل نقطة تقريباً في مبادرة ترامب على تعقيدات تحتاج إلى التفاوض بشأنها. وفي جوهرها، تنطوي الخطة، كسابقاتها خلال العامين الماضيين، على مأزق جوهري هو كيفية التوفيق بين الأهداف المتضاربة لكل من «حماس» وإسرائيل.
وسبب هذا المأزق أن كافة الجهود السابقة لنزع فتيل الصراع لم تتجاوز المرحلةَ الأولية، إذ تريد إسرائيل زوال «حماس» كمنظمة عسكرية وككيان سياسي قادر على مناهضتها، بينما تريد «حماس» الاحتفاظ بسلاحها، وأن تبقى القوة الأكثر تأثيراً في غزة.
ومن الصعب تصور نشر قوات أمن من دول عربية في غزة، كما تشير الخطة، لما في ذلك من مخاطرة بقتل فلسطينيين أو الوقوف مكتوفة الأيدي ومشاهدة القوات الإسرائيلية تقتلهم. وهناك عناصر أخرى في الخطة، مثل تفكيك ترسانة «حماس» أو تدمير شبكة أنفاقها، تمثل مهام ضخمة. كما أن إنشاء «مجلس سلام» تهيمن عليه جهات دولية فاعلة يواجه عقبات أخرى.
وهناك أيضاً مسألة تتعلق بالرئيس ترامب نفسه؛ فإذا نجح في إطلاق سراح الرهائن وضمان إيصال المساعدات الإنسانية وتقليص العمليات العسكرية الإسرائيلية، فقد يفقد اهتمامَه لاحقاً بالمراحل التالية التي تنطوي على تعقيدات.
لقد أكدت السنتان الماضيتان حقيقةً مفادُها أن تأثير الأطراف الخارجية محدود بطبيعته في صراع يعتبره طرفَا النزاع وجودياً، أو يكاد يكون كذلك.
ومع ذلك، وبعد المشاركة في جهود السلام الإسرائيلية الفلسطينية الفاشلة لما يقرب من عشرين عاماً، أعتقد أن أي اتفاق، لاسيما بين إسرائيل و«حماس»، يُعد إنجازاً استثنائياً. وفي ظل تلك الظروف، وفي مواجهة المعاناة الإنسانية الهائلة، كان من الضروري طرح مسار مختلف، مهما كان ناقصاً.
في الواقع، أينما ينتهي المسار، بالنسبة للرهائن وعائلاتهم والمدنيين الفلسطينيين في غزة، هناك على الأقل بعض الأمل والوعد بيوم أفضل.
*محلل ومفاوض سابق في شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»