تُشكِّل «قمة المعرفة 2025»، التي ستنظمها مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يومي 19و20 نوفمبر المقبل، منصة مهمة لفهم اتجاهات مستقبل المعرفة على المستوى العالمي. وتُقدم القمة فرصة ثمينة لتحليل التحديات والفرص التي تواجه المجتمعات المعاصرة.
والحاصل أن «قمة المعرفة» ليست مجرد فعالية فكرية، بل حدث استراتيجي يجسِّد رؤية دولة الإمارات في أن المعرفة هي الثروة التي لا تنضب. فمنذ انطلاقتها قبل عقد من الزمن، تحوّلت القمة من منصة للحوار إلى حركة فكرية عالمية تنقل دبي من موقع الاستضافة إلى موقع الريادة، مؤكدةً أن بناء الإنسان وتطوير قدراته هو حجر الأساس في مشروع بناء المستقبل المستدام والمتكامل.
انطلقت القمة لأول مرة عام 2014 تحت عنوان «تمكين الأجيال المستقبلية»، لتكون منبراً يجمع المفكرين والخبراء وصُنّاع القرار من مختلف القارات. وعلى مدى عقد كامل، ناقشت القمة موضوعاتٍ مفصليةً تمس حاضرَ البشرية ومستقبلَها، من الثورة الصناعية الرابعة والتعليم المستقبلي، إلى الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وريادة الأعمال. وقد أسهمت هذه الحوارات في ترسيخ مكانة دبي مركزاً عالمياً لإنتاج المعرفة وصياغة الاتجاهات الفكرية الحديثة، وفضاءً مفتوحاً لتبادل الخبرات بين الأمم، على النحو الذي جعل منها منارةً تُلهم العالَم بأن التنمية تبدأ من الفكرة قبل المادة، ومن الوعي قبل التقنية.
وقد رسّخت القمةُ منذ انطلاقها حضورَها العالمي المؤثر بأرقامها اللافتة التي تختزل مسيرة من العطاء والتأثير، إذ قدّمت أكثر من 1000 جلسة حوارية وورشة عمل شارك فيها أكثر من 900 متحدث من أبرز المفكرين والخبراء الدوليين، وتجاوز عدد الحضور الفعلي والتفاعلات الافتراضية 1.2 مليون شخص من مختلف أنحاء العالم، بينما تخطّت المشاهدات الرقمية 203 ملايين مشاهدة. كما أنتجت المؤسسة أكثر من 71 بودكاست ضمن سلسلة القمة، لتغدو المنصة العربية الأولى في نشر الفكر الإنساني وإثراء النقاشات حول مستقبل التنمية والمعرفة.
وتأتي نسخة هذا العام تحت شعار «أسواق المعرفة: تطوير المجتمعات المستدامة»، لتفتح آفاقاً جديدةً للنقاش حول تحويل المعرفة إلى رافعة اقتصادية واجتماعية تُعزز العدالةَ والاستدامةَ. فالقضية لم تعد في وفرة المعلومات، بل في القدرة على تحويلها إلى معرفة نافعة تُحدِث الأثرَ في حياة الناس، وتعيد تشكيل مفاهيم التنمية لتجعل من الوعي مورداً وطنياً لا غنى عنه. ومن هذا المنطلق، تتناول القمة مفهوم «أسواق المعرفة» التي تربط الفكر بالإنتاج، والعلم بالاقتصاد، والإبداع بالمسؤولية، لتصوغ معادلة متوازنة بين التطور التقني والإنساني.
وستشهد القمةُ الإعلانَ عن تفاصيل مؤشّر المعرفة العالمي لعام 2025، الذي يرصد الواقع المعرفي لدول العالم، ويقدّم أدوات قياس دقيقة لتطور التعليم والبحث العلمي والابتكار. وتشمل الفعاليات أكثر من 45 جلسة حوارية بمشاركة نحو 130 متحدثاً من مختلف القارات، يمثلون طيفاً واسعاً من القادة والمبدعين ورواد الفكر والتقنية، في نقاشات تتناول قضايا التعليم الذكي واقتصادات المعرفة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي ومستقبل العمل في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
وتتجاوز القمة إطار الحوار إلى التطبيق، إذ تتيح منصات للتواصل والشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتفتح المجالَ أمام التمويل المعرفي والمشروعات المشتركة التي تجمع بين المنفعة الاقتصادية والأثر الاجتماعي. كما تمنح مساحةً فاعلةً للشباب ليكونوا شركاءَ في رسم السياسات المعرفية، لا متلقين لنتائجها، انطلاقاً من إيمان الإمارات العميق بأن المستقبل يُكتب بأقلام الجيل الصاعد. 
إن قمة المعرفة 2025 ليست فعالية دورية عابرة، بل مرآة تعكس رؤية دولة الإمارات الطموحة التي آمنت بأن ازدهار الأمم يبدأ من ازدهار الفكر. ومن أرض دبي، عاصمة الإلهام والإبداع، تتجدد رسالة الوطن إلى العالم بأن الثروات المادية تتقادم وتزول، أما الأفكار فتبقى، وأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، على يد من يملك شجاعة السؤال وجرأة الابتكار.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.