حشد لبنان أكثر من 30 خبيراً من القطاعين العام والخاص، أثبتوا وجودَهم ومتابعتَهم لاجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين المنعقدة بين 13 و18 أكتوبر الجاري في واشنطن.
وشملت مناقشاتهم كبار المسؤولين في مؤسسات التمويل الدولية والأوروبية والعربية، لكنهم ركزوا اهتمامَهم البالغَ على ضرورة تخفيف شروط صندوق النقد التي وُصفت بأنها «قاسية وتعجيزية»، وبأنها تعرقل الوصول إلى اتفاق مبدئي على برنامج يمنح لبنانَ قرضاً بقيمة 3.4 مليار دولار، على أمل أن يتضاعف إلى 8 مليارات في السنوات القادمة. كذلك أجرى الوفدُ اللبناني مباحثاتٍ مع المسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية، تناولت تداعيات «الجرائم المالية» التي ترتكب في لبنان نتيجة الفساد المتجذر، حيث يعد لنبان من أكثر الدول التي تشهد انتشاراً للفساد في العالم، وهو مدرج على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (مينا فاتف)، ومهدد بالانزلاق نحو «القائمة السوداء» في العام المقبل، خصوصاً أنه مدرج حالياً على «القائمة السوداء» لدول الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق بحث حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، مع عدد من المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، وفريق موسع من وزارة الخزانة الأميركية، القضايا المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك ضمن إطار التعاون المستمر لتوفير النزاهة للنظام المالي، وتعزيز الامتثال للمعايير العالمية.
ورغم مرور ست سنوات على الانهيار المالي منذ عام 2019، لا تزال الثقة بالقطاع المصرفي شبه معدومة، حيث تُظهر تقاريرُ مصرف لبنان السنوية انكماشاً حاداً في إجمالي موجودات المصارف التي تراجعت من 254 مليار دولار بنهاية عام 2018 إلى 102.7 مليار دولار بنهاية عام 2024. ووفق تقارير «المركزي»، فقد انخفض إجمالي حجم الميزانية العمومية بين يونيو 2019 ويونيو 2025 بنسبة 59.6 في المئة، مما يبرز حجم التدهور العميق في القطاع المالي.
وفي المقابل نما «الاقتصاد الأسود» الذي يقدر حجمه حالياً بأكثر من 10 مليارات دولار. لذلك يتطلع لبنان باهتمام كبير للحصول على «ثقة» صندوق النقد، لأنها تعكس «ثقة» المجتمعين العربي والدولي، وهي الأساس في خلاصه من أزماته المالية والاقتصادية. وعلى الرغم من تفاهم الوفد اللبناني مع الخبراء الدوليين على بنود إصلاحية عدة، وتعديل بعض القوانين، فمن الواضح أن الوصول إلى اتفاق مع الصندوق في الإطار الزمني المطلوب، أصبح مستبعداً في المدى المنظور، خصوصاً بعد أن تم ربط تحقيقه بتطورات رئيسية عدة، أهمها: حصر السلاح غير الشرعي بيد الدولة، وتوفير الاستقرار السياسي والمالي والاقتصادي، بعد رفع اسم لبنان من «اللائحة الرمادية» لمجموعة «مينا فاتف»، ومن «اللائحة السوداء» للاتحاد الأوروبي.
وبما أن الولايات المتحدة تسيطر بقوتها «التصويتية» على قرارات الصندوق نتيجة مساهمتها بنسبة 17.5 في المئة من مجموع أصوات مجلس الإدارة، وتتضاعف هذه النسبة إلى نحو 35 في المئة، بعد التنسيق مع الاتحاد الأوروبي، وبالتالي فهي تسيطر على قرار رفع اسم لبنان من اللائحتين «الرمادية» و«السوداء»، كي يخرج من عزلته إلى علاقات دولية متطورة وانفتاح اقتصادي كبير على الخارج. ومن هنا، تبرز أهمية نصيحة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، عندما اعتبرت أن لبنان لا يحتاج إلى عقد اتفاق مع صندوق النقد الدولي، لكي يكسب مشروعيةَ العودة إلى الأسواق المالية العالمية، واستعادة ثقة العالم به.. بل يكفيه أن يحصل على «الختم» الأميركي لتحقيق هدفه.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية