إسكات البنادق في صراعٍ طويل الأمد أمرٌ صعب. أما إجبار أحد المتقاتلين على التخلي عن سلاحه فهو أصعب بكثير.هذا درسٌ أساسيٌّ تعلمته من سنواتٍ من تغطية الصراعات العنيفة وتداعياتها في آسيا وأفريقيا. وقد عادت هذه التجارب إلى ذهني مؤخراً مع اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة وأنهى الحرب التي استمرت عامين بين إسرائيل و«حماس» - والذي يتضمن بنداً يقضي بأن تتخلى الجماعة الفلسطينية المسلحة عن أسلحتها. هناك أيضاً أوجه شبه - ومؤشرات تحذيرية ضخمة - للأمم المتحدة وهي تحاول تشكيل قوة قمع عصابات قوامها 5500 عنصر، برعاية أميركية، بهدف انتزاع السيطرة على هايتي من العصابات المدججة بالسلاح.
تعتمد خطة إحلال السلام الدائم في غزة، وجهود استعادة النظام في هايتي، على الركيزة المتزعزعة نفسها: نزع السلاح. لكن التاريخ الحديث يشير إلى أن فرص النجاح محدودة.
يُعدّ نزع السلاح العنصر الأساسي في العديد من خطط السلام. ويُشار إليه غالباً بمصطلح DDR، وهو اختصار لـ «نزع سلاح وتسريح وإعادة دمج المقاتلين السابقين»، ولكن هناك أمثلة قليلة جداً على أماكن نجحت فيها هذه العملية كما هو مخطط لها.
واحدة من قصص النجاح القليلة هي تيمور الشرقية، حيث خاضت ميليشيا الاستقلال المعروفة باسم «فالنتيل» (القوات المسلحة لتحرير تيمور الشرقية) حرب عصابات محدودة. ولكن في عام 1999، عندما وافقت إندونيسيا، تحت ضغط أميركي ودولي، على السماح بإجراء استفتاء على الاستقلال، أمر زعيم المقاومة «زانانا جوسماو» مقاتليه من «فالنتيل» بالتجمع في معسكرات محددة. وظلوا في تلك المعسكرات الجبلية، بينما شنّت القوات الإندونيسية والميليشيات المتحالفة معها حملة حرق ونهب بعد أن صوّت سكان الجزيرة بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال.
أعادت قوة تدخل بقيادة أستراليا النظام إلى تيمور الشرقية المُدمّرة. وفي إطار دفع هذه الدولة الصغيرة الجديدة نحو الاستقلال، وافق مقاتلو فالنتيل على إبقاء أسلحتهم مُخزّنة في حاويات تحت سيطرة مشتركة مع الأمم المتحدة. وفي النهاية، تم دمج معظم المقاتلين في الجيش الوطني التيموري الجديد.
وفي جنوب أفريقيا، نزع الجناح المسلح لحزب «المؤتمر الوطني الأفريقي»، المعروف باسم «أومخونتو وي سويزي»، أو «إم كيه»، سلاحه وحل نفسه رسمياً مع دخول البلاد في مفاوضات لإنهاء نظام الفصل العنصري. في نهاية المطاف، اندمج العديد من مقاتلي «إم كيه» في جيش جنوب أفريقيا، فيما اتجه آخرون إلى العمل السياسي.
لكن حالات الفشل في نزع السلاح تفوق قصص النجاح.
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عصفت الحرب الأهلية والفوضى بالصومال، حيث تقاتلت العشائر المسلحة للسيطرة على مناطق نفوذها، تماماً كما هو الحال في هايتي اليوم. كانت العاصمة مقديشو مقسمة بين زعماء حرب متناحرين عبر «الخط الأخضر» الذي يفصل الشمال عن الجنوب. قامت عشائر فرعية مختلفة تسيطر على ميناء ومطار مقديشو بمنع وصول المساعدات الغذائية ونهبت الإمدادات. وفي أسابيعه الأخيرة في منصبه، أرسل الرئيس جورج بوش الأب قوات مشاة البحرية الأميركية «المارينز» لكسر الجمود وإنقاذ البلاد من المجاعة.
آنذاك لم تواجه قوات المارينز مقاومة تُذكر، فقد ألقت الميليشيات أسلحتها جانباً - أو بالأحرى أخفتها - واستقبلت الأميركيين استقبال المحررين. أعادت القوات الأميركية فتح الميناء والمطار، وأنقذت الناس الذين كانوا يتضورون جوعاً. ثم تركت مهمة نزع سلاح العشائر المحفوفة بالمخاطر لقوة تابعة للأمم المتحدة تُدعى «يونوسوم» - والتي كانت ضعيفة الإعداد وتفتقر إلى العدد الكافي من العناصر اللازمة لهذه المهمة.
في يونيو 1993، وبعد شهر من مغادرة معظم قوات المارينز، نصبَ الجنرال «محمد فرح عيديد»، أقوى أمراء الحرب في مقديشو، كمينا أسفر عن مقتل 24 جندياً باكستانياً من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وقع الهجوم بينما كان الباكستانيون يحاولون تفتيش مستودع أسلحة كان عيديد يخزن فيه أسلحة.
وفي الوقت نفسه، في أوائل التسعينيات، شرعت الأمم المتحدة في مهمة أخرى لنزع السلاح في كمبوديا، لكنها باءت بالفشل. كانت قوات الأمم المتحدة تحاول انتزاع الأسلحة من مقاتلي «الخمير الحمر» سيئي السمعة، الذين وافقوا على نزع سلاحهم كجزء من اتفاق سلام لإنهاء الحرب الأهلية الطويلة في البلاد. لكن عندما جاءت قوات الأمم المتحدة لأخذ الأسلحة، تراجع الخمير الحمر عن الاتفاق، ومنعوا القوات الدولية من دخول الأراضي التي يسيطرون عليها. وقُتل العديد من جنود حفظ السلام.
في نهاية المطاف، تم إضعاف الخمير الحمر والقضاء عليهم بعد انقسامات داخلية. إذ انشقّ الزعيم الأعلى «إينج ساري»، المعروف ب «الأخ رقم ثلاثة»، إلى حكومة «هون سين» مع آلاف من جنوده. حصل «إينج ساري» على عفو ملكي محدود من ملك كمبوديا «نورودوم سيهانوك»، وعاش حياةً مترفة في «بنوم بنه»، لكنه حوكم لاحقا أمام محكمة تابعة للأمم المتحدة وتوفي قبل إدانته.
ويمكن تحقيق نزع السلاح، ولكن فقط بموافقة الأطراف المتقاتلة، وعندما يكون ذلك جزءا من صفقة أوسع تمنح المقاتلين السابقين دورا مستقبليا في الجيش أو الحكومة. هذا ليس هو الحال في غزة، حيث يدعو اتفاق وقف إطلاق النار إلى نزع سلاح حماس وتفكيكها. وليس هو الحال في هايتي، حيث لا توجد خطة لإعادة دمج العصابات في المجتمع.
من المفترض أن تنتشر قوة عربية وإسلامية في غزة. لكن قد تتردد الدول في إرسال قوات إذا كان ذلك يعني محاربة «حماس». وقد تقاوم الدول الانضمام إلى قوة قمع هايتي إذا كان ذلك يعني قتالاً جاداً مع عصابات مدججة بالسلاح. ومن حيث المبدأ وعلى الورق، يظل نزع السلاح هدفاً دائماً. لكنه في الواقع، غالبا ما يكون من الصعب تحقيقه على الأرض.
كيث ب. ريتشبورج *
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»