نالت وساطةُ الرئيس دونالد ترامب، للتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس»، إشادةً واسعة من مختلف الأطياف السياسية، وهو أمر مستحق، فحتى بالنسبة لمنتقديه، يُعد ذلك إنجازاً مهماً، وربما فريداً، في سياسة خارجية تُعرف عادةً بالاندفاع والارتجال.
وبدلاً من إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في بداية فترة رئاسته، كما كان يُلمح أثناء الانتخابات، فقد اتخذ ترامب جميع المواقف الممكنة تقريباً، إلا أن الحرب ازدادت اشتعالاً. وبدلاً من إبرام اتفاق نووي دائم مع طهران، أمر بشن غارات جوية أميركية على المنشآت النووية لإيران، مما أدى إلى تأخير برنامجها مؤقتاً فقط، والمجازفة بصراع أوسع نطاقاً، وبقي شبح السلاح النووي الإيراني يلوح في الأفق. وفي الوقت نفسه، فقد أضعف المؤسسات التي تحتاجها الولايات المتحدة لمواجهة تحديات العالم، من مجلس الأمن القومي، إلى وزارة الخارجية، إلى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
ومع ذلك، فمن يحرصون على مكانة الولايات المتحدة ونفوذها العالمي في السنوات المقبلة مطالبون بالنظر بتعمق للكشف عن بعض التكتيكات التي من الحكمة أن تتبناها الإدارات المُستقبلية.
أولاً، يبدو أن ترامب يُدرك أن الدبلوماسية تتمثل في التعامل مع العالم كما هو، لا كما نُريده. وقد طبقت إدارتُه المقولةَ الدبلوماسية القائلة بأن الدول تُفاوض على السلام مع أعدائها، لا مع أصدقائها. وقد تحاورت الإدارة مع العديد من الخصوم، مثل إيران وروسيا وفنزويلا و«حماس» و«الحوثيين».
وفي بعض الحالات، كانت تلك الحوارات استمراراً لمحادثات جرت خلال إدارة بايدن التي شغلتُ خلالها مناصب عليا في وزارة الخارجية. وكنا عادةً نُدير هذه المحادثات بسرية أكبر. ومع ذلك، فالإدارة الحالية مُحقّة في عدم إبقاء هذه المحادثات مُحاطة بالسرية، فثمة رسالة إلى العالم مفادها أن أميركا مُستعدة للتحدث مع أي طرف إذا كان لديه القدرة على حل الخلافات.
وعلاوة على ذلك، استخدم ترامب نفوذَ أميركا بفعالية، حيث يُعد نهجه المتطور تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مثالاً على ذلك. في البداية، أهدرت الإدارةُ وقفَ إطلاق النار الذي ورثته من إدارة بايدن، متِّبعةً نهجاً غير مباشر مع استئناف الحملة العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة في الربيع الماضي. ولم تتخذ واشنطن أي إجراء فعال يُذكر حينها، حيث نفّذ رئيس الوزراء الإسرائيلي سياسةً تُشبه التجويع القسري، مانعاً دخول جميع الإمدادات الإنسانية إلى غزة.
لكن هذا الوضع تغير بعد الهجوم الإسرائيلي الفاشل الذي استهدف قادة «حماس» في قطر، إذ بدا أن محاولة اغتيال المفاوضين قد أقنعت ترامب أخيراً بعدم جدية رئيس الوزراء الإسرائيلي في المفاوضات، مما دفع رئاسة البيت الأبيض إلى ممارسة نفوذ لم تمارسه هي ولا سلفها. وفي غضون أيام، استطاع ترامب أن يجبر نتنياهو على الاعتذار مباشرةً لنظيره القطري، مع نشر صورة للمكالمة من المكتب البيضاوي، في تذكير غير مباشر بمن يمسك بزمام الأمور. والأهم، أن ترامب ضغط على نتنياهو لقبول خطته المكونة من 20 نقطة لوقف إطلاق النار، في الوقت الذي ضغط فيه الشركاء العرب على «حماس». كان هذا التخطيط بمثابة تذكير متأخر بأن الولايات المتحدة هي القوة العظمى في هذه العلاقة.
وأخيراً، تصرفت إدارة ترامب وفقاً لأجندتها في السياسة الخارجية بمنأى عن أي انتقادات سياسية محتملة، مثل قرارها التعامل المباشر مع «حماس»، وهو خيار محفوف بالمخاطر نظراً لسجل الجماعة الشنيع على مدى عقود، بما في ذلك الحادثة الأكثر شهرة في 7 أكتوبر 2023. وكان مبعوث الإدارة لشؤون الرهائن هدفاً لهجمات سياسية عندما تم الكشف عن محادثاته المباشرة مع قادة «حماس»، كجزء من جهود تحرير الرهائن الأميركيين المتبقين آنذاك. ومع ذلك، أفادت التقارير بأن مبعوث ترامب الخاص للشرق الأوسط (ستيف ويتكوف)، وصهر الرئيس (جاريد كوشنر)، التقيا بممثلي «حماس» مؤخراً لتأمين وقف إطلاق نار أوسع نطاقاً، رغم احتمال تكرار الهجوم السياسي.ومن شأن قبضة ترامب المُحكمة على قاعدته الانتخابية أن تمنحه مرونةً في المناورة لم يتمتع بها سوى قلة من أسلافه. لكن استعداده لتحمل الانتقادات بمثابة تذكير بأن الرؤساء ليسوا بحاجة إلى الاستسلام للضغوط السياسية المحلية من الكونغرس وجماعات المصالح الخاصة.
ولا تعني تلك النجاحات أن نهج ترامب في السياسة الخارجية جعل أميركا أكثر أمناً، بل يعود ذلك جزئياً إلى فشل إدارته في دمج تلك التكتيكات القليلة الجديرة بالإعجاب ضمن استراتيجية أوسع وأكثر تماسكاً. وعلى سبيل المثال، بينما سمح البيت الأبيض بإجراء محادثات مباشرة مع إيران، فقد أهدر فرصة اغتنام صفقة دبلوماسية ناشئة بتوجيهه البنتاغون للانضمام إلى الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد إيران. وبالمثل، ورغم انخراط الإدارة في حوار مبكر مع الرئيس الفنزويلي مادورو، فقد عزّز البيتُ الأبيض وجودَه العسكري في منطقة البحر الكاريبي، مما قد ينذر بحملة عسكرية ضد كاركاس. ويُمثل ذلك مادة مشروعة لانتقاد هذه الإدارة. ومع ذلك، وبينما نفكر في الفصل القادم من تاريخ أميركا، سيكون من الخطأ ألا نتعلم من الجوانب التي أتقنها ترامب. ويتمثل التحدي الذي تواجهه الإدارة القادمة في التوفيق بين الحدس السياسي وبين المبادئ والأهداف، والسعي إلى سياسة خارجية تُحقق على نحو ثابت مصالح الشعب الأميركي. 


*دبلوماسي أميركي، شغل منصب نائب السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة في إدارة بايدن، ومستشار أول باسم وزارة الخارجية. 
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»