أقامت صحيفةُ «الاتحاد» منتداها السنوي قبل أيام تحت عنوان «الإمارات صانعة السلام»، والذي تحدّث فيه عشرة باحثين، وكانت في خاتمته جلسة للطلاب عن الموضوع نفسه. تأسس جهد دولة الإمارات الرامي للسلام منذ أيام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والذي قام بجهدٍ مزدوج جمع الإمارات السبع في كيانٍ اتحادي عام 1971، وحقق انصرافاً لبناء مجتمع الاتحاد الإماراتي وتنظيماته الدولية.
السلام الأول تمثّل في الجمع الاتحادي الذي قضى على مخاوف الفراغ عندما كان البريطانيون ينسحبون من شرق السويس. أما السلام الآخر، فتمثّل في بناء مجتمع العدالة والأمن والرفاه بالداخل. ومنذ أواخر السبعينيات انتهجت الدولةُ سياساتٍ سلميةً تجاه الجوار والعالم، وتنوعت تدخلاتها منذ ذلك الوقت وإلى الآن تحت قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله. وهي تدخلات على ثلاثة أقسام: جهود الوساطة في النزاعات لمنعها أو لتجاوُزها، وجهود المشاركة في عمليات السلام بوساطة الأُمم المتحدة والجامعة العربية أو بالمبادرة المباشرة عندما تجد الدولةُ الفرصةَ سانحةً لصنع السلام، وأخيراً الجهود التنموية وجهود الإغاثة الإنسانية التي امتدت إلى مائة وعشرين دولة في العالم.
وترسل دولة الإمارات، عن طريق مؤسساتها، كتائب لنشر السلم عقب وقف إطلاق النار، أو تتدخل مؤسسياً من أجل وقف النزاع تمهيداً لصنع السلام العادل. وبين هذا وذاك، هناك الجهود الإغاثية والمساعدات الإنسانية الضخمة. فعندما توقفت النار في غزة، وجدنا مئات الشاحنات الإغاثية الإماراتية آتية من جهة مصر للدخول إلى القطاع المنكوب، كما وجدنا سفينةً إغاثيةً ضخمةً في بحر غزة جاهزةً لتفريغ حمولتها البالغة سبعة آلاف طن.
تؤمن دولة الإمارات بأن السّلم أقوى من الحرب، وبأن السواد الأعظم من الناس يريدون الحياةَ ويكرهون الحروبَ والعداوات؛ ولذا فهي عندما تتدخل إنما تتدخل لصالح هؤلاء، دون أن يعني ذلك عدم التدخل لدى كبار المسؤولين في مناطق النزاع. وإذا كان ذلك ضرورياً، حسب تقدير المسؤولين للموقف، فإنّ صاحب السمو رئيس الدولة يتدخل للوساطة وتكون لذلك نتائج إيجابية دائماً.
ذكر المحاضرون وساطات الدولة ونجاحاتها في النزاع الروسي الأوكراني، وفي حروب الكونغو الديمقراطي، وفي أفغانستان والصومال وتشاد وليبيا. وإلى جانب البعثات والوساطات، تواصل الدولةُ إرسالَ المساعدات الإغاثية والإنسانية.
قدّم منتدى «الاتحاد» قراءةً حول سياسات وجهود الإمارات في إخماد النزاعات وصنع السلام في المنطقة والعالم. والنجاح يشجع، لكنّ الصعوبات لا تحول دون متابعة جهود السلم والاستقرار والعمران. لقد صارت دولة الإمارات نموذجاً لصناعة السِّلم في العالم. وقد أحسنت «الاتحاد» في التذكير بذلك والاتجاه للقيام بدراسات تفصيلية حوله.
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية