ونحن نحتفل بالمنتدى العشرين لجريدة «الاتحاد»، والذي تناول رؤية الإمارات للسِّلم في عاصمة السِّلم والتسامح أبوظبي، أطل علينا الفيلسوف الفرنسي بول فالادييه بكتاب هام يتناول فلسفة السِّلم في الواقع العالمي الراهن.الكتاب الصادر مؤخراً بعنوان «السِّلم.. معاناة»، ينطلق من سياق الحروب والمواجهات العنيفة التي يعرفها العالمُ في أيامنا هذه، إلى حدّ أن الجميع أصبح ينظر إلى مشروع كانط حول «السلم الأزلي» كما لو أنه مجرد يوتوبيا حالمة.
منذ البداية، يبين فالادييه أن السِّلم لا يعني غياب الحروب أو استمرار النظام المستقر الآمن، فثمة اليوم أنماط من الصراع لا تدخل في المنطق التقليدي للحرب، مثل التغير المناخي وحركة الهجرات غير المنظمة وأزمة المياه الصالحة للشرب.
للسِّلم حسب فالادييه وجهان: داخلي يتعلق بتركيبة المجتمع في بنياته الذاتية، وخارجي يرتبط بعلاقات الأمم والبلدان في ما بينها. في المستوى الأول، ينظر إلى السلم في إطار المواطنة المدنية الكفيلة باحترام الآخر والاستجابة للقوانين العمومية، بما يضمن تماسك المجتمع واندماجه الهيكلي. إلا أن المدونة القانونية في أرقى صيغها لا يمكن أن تحمي الإنسانَ من العنف والصراع، وعندما تتجاهل أمة من الأمم هذا التحدي الذي يهدد الكيان البشري دوماً تسقط في فخ خطير، يعرِّضها للانشقاق والتصدع كما هو شأن المجتمعات الأوروبية المعاصرة. والأمر هنا يتعلق بمصاعب تصور ودمج الغيرية التي كثيراً ما تقود للاحتقان والصراع، ولذا يصبح الرهان الأساسي هو الحيلولة دون أن تؤدي هذه المعادلة إلى المواجهة العنيفة والحروب المدمرة. ومن أجل تفادي هذا الخطر، بلورت المجتمعاتُ البشريةُ إطارين لضبط الاختلاف والتباين هما: المرجعية الوجودية والمعرفية للحقيقة من حيث هي نقطة ارتكاز ثابتة للمعنى والقيمة، والنظام الديمقراطي الحديث بصفته الأداة الناجعة لتسيير الاختلاف والتنوع.
والحقيقة لها وجهان: تُحرر مِن الوهم والتعصب فتفضي إلى السِّلم والسكينة، لكنها قد تكون سبيلاً للعنف والصراع إذا تحولت إلى معتقد دوغمائي يمنع النقاشَ والنقد فيؤول إلى الكراهية والمواجهة. وفي هذا الباب، ينبّه فلادييه إلى مخاطر التطرف الديني الذي يَصدر عن وهْمِ امتلاك الحقيقة المطلقة، داعياً إلى ما سماه «يقظة المؤمن» و«روحه النقدية»، أي الجمع بين الوحي والعقل وفق التقليد التنويري المناهض للأيديولوجيات الراديكالية العنيفة.
وعلى عكس بعض المقاربات السائدة التي تربط بين الديانات التوحيدية والعنف، يوضح فالادييه أن العنف يخترق كل الثقافات والمعتقدات، وله جذوره الاجتماعية والنفسية، ولا يمكن ربطه بديانة بعينها، حتى لو كان لا بد من الاعتراف بميل كثير من الجماعات المتشددة لتوظيف الدين في مشاريع الموت والدمار والعنف.غير أن المؤلف لا يتبنى بسذاجة عقلية السلم الطوبائي ووهم خلو العالَم من العنف، بل يرى أن هذه النزعة قد تؤدي إلى مخاطر جمَّة، من بينها الخنوع أمام الاستبداد ومهادنة العدوان، ولذا يتعين على الحكومات المسؤولة إعداد العدة اللازمة للدفاع عن حقوقها المشروعة.
إلا أننا لا يمكن أن نوافق فالادييه في تبنّيه لعقيدة «الحرب العادلة» التي طرحها علماء اللاهوت في العصور الوسطى، تبريراً للحروب الاستباقية والهجومية، وهي عقيدة تعاني من ثغرة خطيرة تتمثل في تشريع الحرب بالأهداف الأخلاقية المحضة بدلاً من الوقائع الموضوعية العملية.
وفي مقاربته التي يطلق عليها «النزعة الواقعية الأخلاقية»، يدعو فالادييه إلى الجمع بين السلم كهدف أقصى، وبين سياسة الحزم التي تقتضيها المواقف الظرفية في مواجهة العدوان والعنف، مشككاً في نجاعة المؤسسات الدولية في حفظ السلام العالمي، رغم الإجماع القائم على قيم الشرعية الدولية. فالسِّلم من هذا المنظور يظل هدفاً بعيد المنال، يجب العمل من أجل تحقيقه، لكنه ليس سهلَ الإنجاز ولا مضمونَ النتيجة.
كتاب فالادييه يندرج في نطاق الاتجاهات الفلسفية والنظرية التي تناولت في السياق الأوروبي معضلةَ الحروب الجديدة، بعد عقود طويلة ساد فيها السلم الأهلي والإقليمي في القارة العجوز.
ومما يتعين التنبيه إليه هنا، هو أن هذه الكتابات عادة ما توجه النظرَ إلى قصور المدونة القانونية القائمة في بلوغ مطلب السِّلم الأبدي، دون أن تعالج السِّلم من المنظور القيمي، أي كرؤية أخلاقية للعالم وكالتزامات جوهرية إزاء الآخر والمغاير.
ومن هنا أهمية رؤية الإمارات للسلام التي عالجناها في «منتدى الاتحاد» الأخير، باعتبارها تتجاوز الأبعاد القانونية والاستراتيجية للسِّلم في اتجاه قيمي ومعياري قوي يشكّل السقف المرجعي للمشتركات البشرية الجامعة ولمقتضيات التضامن الفاعل بين بني الإنسانية.
*أكاديمي موريتاني