شهدت الإمارات موسماً سياحياً استثنائياً، استقطبت خلاله ملايين السّياح من مختلف دول العالم، ونجحت في تعزيز دورها المحوري في منظومة السياحة العالمية، وترسيخ مكانتها كوجهة أولى على خريطة السفر والفعاليات الدولية.
لقد أدركت القيادة مبكراً ضرورة الاهتمام بتطوير قطاع السياحة، وأيقنت أن الاستثمار فيه يحقّق عوائد كبيرة وسريعة تشكّل رافداً مهماً لميزانية الدولة وتُسهم بشكل ملحوظ في ارتفاع الناتج القومي، ووفقاً للغة الأرقام التي تغنينا عن كتابة الكثير من الكلمات، ارتفعت مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي للدولة لتصل إلى 257.3 مليار درهم خلال عام 2024، أي ما يمثّل 13% من الاقتصاد الوطني، وبنسبة زيادة وصلت إلى 3.2% مقارنة بعام 2023.
ودون مبالغة يمكن اعتبار السياحةِ القاطرةَ التي تقود قطار التنمية، لأن الدعم الذي تُوليه الحكومة للقطاع يعني ضخَّ مزيد من الاستثمارات في مشروعات التنمية المستدامة والبنية التحتية من فنادق بمستويات متنوعة ومراكز رعاية صحية ومناطق ترفيه ومشروعات ثقافية، وشبكات نقل فعّالة، ومطارات حديثة، وخدمات اتصالات متطوّرة، فضلاً عن وجود كفاءات بشرية مدرّبة على حسن الاستقبال وخدمات الضيافة، يُعزّز جودة التجربة السياحية، ويجعل الزائر يفكر في العودة مرة أخرى.
ولأنّ السائح يبحث عن تجربة مريحة وآمنة وسلسة، تسعى الإمارات إلى تعزيز مكانتها كوجهة للفعاليات الكبرى، وترسيخ مدن مثل أبوظبي ودبي على الخريطة العالمية كواحدة من أبرز الوجهات السياحية، التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة، وتوفِّر تجارب استثنائية للزوار من مختلف أنحاء العالم.
وبفضل بنيتها التحتية السياحية المتطورة والمعروفة عالمياً، تصدّرت الدولة المراكز الأولى في عدد من المؤشرات التنافسية المرتبطة بقطاع الطيران والسفر، وباتت الإمارات واحدة من الوجهات الرئيسية، التي يفضلها السياح في المنطقة، فعلى سبيل المثال مطار زايد الدولي الجديد يربط العاصمة بأكثر من 120 وجهة عالمية، مروراً بشبكة حديثة من الطرق والمواصلات، ووصولاً إلى الفنادق والمنتجعات الفاخرة، التي تقدِّم خدمات بمعايير عالمية.
ليس هذا فحسب، فالمطار وإمكانياته أمر مهم، لكن السائح ينظر إلى ما هو أبعد ويبحث بدأب عن المزارات وأماكن الترفيه والمهرجانات التي يمكن أن تثير شغفه وتجذب انتباهه، بل وتلبي رغبات جميع أفراد العائلة، سواء كانت أماكن ثقافية أو ترفيهية مثل متحف اللوفر أبوظبي وقصر الوطن وجزيرة ياس، فضلاً عن الأماكن والمولات التجارية التي تتعدد بها محلات (البرندات) العالمية الشهيرة، والتي توفّر متعة التسوق والترفيه العائلي.
بيد أن خطط التطوير لا تتوقف، وعجلة التقدم لا تكف عن الدوران ولا تكتفي بما تحقق من إنجازات، فقد شهد العام الجاري، إطلاق مجموعة من المشاريع السياحية والترفيهية العملاقة في مختلف إمارات الدولة، بهدف تعزيز جاذبية وتنافسية القطاع السياحي على المستوى العالمي، وزيادة حجم مساهمته في الاقتصاد الوطني.
ففي أبوظبي، وبعد الإعلان عن تطوير مشروع عالم ومنتجع ديزني الترفيهي في جزيرة ياس، جارٍ استكمال بناء المنطقة الثقافية في السعديات التي ستضم متحف زايد الوطني، ومتحف التاريخ الطبيعي أبوظبي، ومتحف الفنون الرقمية «تيم لاب فينومينا أبوظبي»، ومتحف جوجنهايم أبوظبي.
الاهتمام بمستقبل السياحة فتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين المواطنين في هذا المجال حتى خارج الدولة، وفي هذا الإطار تستضيف الإمارات هذه الأيام قمة «الإمارات وأفريقيا للاستثمار السياحي»، تحت شعار «بناء جسور من أجل النمو المستدام»، بمشاركة وزراء السياحة وكبار المسؤولين من أكثر من 50 دولة أفريقية، تأكيداً لدور الدولة كجسر للتواصل بين الأسواق الأفريقية والعالمية، وامتداداً لدورها الرائد في صياغة مستقبل السياحة العالمية.
تهدف القمة إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياحية بين الإمارات وأفريقيا ودفعها إلى مستويات أكثر تقدماً وازدهاراً، وتفتح آفاق التعاون مع القارة السمراء، والتي يراها الخبراء اليوم من أكثر الأسواق السياحية نمواً على مستوى العالم، حيث يشهد قطاع الضيافة فيها توسّعاً بنسبة تفوق 13% سنوياً، ويستقطب أكثر من 74 مليون زائر دولي، مما يجعلها وجهة واعدة للشراكات الإماراتية.
السياحة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو حركة تنقل بين الدول، بل أصبحت صناعة متكاملة تقوم على التخطيط والاستثمار وتوليد الدخل وخلق فرص العمل وتعزيز صورة الدولة وهويتها الثقافية، ولأن كل هذه المقومات متوفرة لدي دولتنا بفضل الله، إضافة إلى أمنها واستقرارها، وموقعها الاستراتيجي، فإن نجاح الإمارات لم يأت من فراغ، بل هو منطقي وطبيعي، ويؤكد قدرتها الحفاظ على ريادتها الإقليمية والعالمية كوجهة سياحية متميزة تلبّي كافة أذواق السائحين والزوار المحتملين.