على مدار الحقب التاريخية، ظلّت مفاهيم مثل الحرب والهدنة والسلام مقلقة بحثياً وسجالياً في المجالات الفلسفية والفكرية والاجتماعية. وما من شكّ في أن الحروب غيّرت جغرافيا العالم بأقاليمه المختلفة، كما شكلت اختباراتٍ قاسيةً لمجتمعات هذه الأقاليم وبلدانها.
نعم، ثمة بالفعل مطامع بشرية تدافعيّة كثيراً ما تمكّنت من الناس والدول لتبدّل مساراتٍ ولتحوّل مشاريع. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، فلولا إقناع السير ونستون تشرشل (رئيس وزراء المملكة المتحدة) لفرانكلين روزفلت (رئيس الولايات المتحدة الأميركية) بدخول الحرب العالمية الثانية، لما كان الوضع العالمي كله على ماهو عليه الآن.
وهذا يحسب لتشرشل الذي أسس لنظريةٍ حربيّةٍ شرحها في مذكراته، ولكنه أيضاً آمن بإمكانات وأفكار السلام بعد الانتصار الحاسم. إن الدول التنموية الصاعدة تريد السلام وتكره الحروب، وعليه فإن دراسة هذا المعنى ضرورية بل وأساسية، لا سيما في هذه المرحلة العنيفة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط بصفة خاصة. ولطالما ظلت دولة الإمارات العربية المتحدة سبّاقة في مجال السلام، وهذا هو موضوع «منتدى الاتحاد» السنوي الذي التأم الأسبوع الماضي تحت عنوان «الإمارات صانعة السلام». وفي ورقةٍ ألقاها الأستاذ عبدالله بن بجاد العتيبي تحت عنوان «السلام يولّد الحضارة»، ذكر أن «هذا المنتدى في سنته هذه حمل عنواناً جميلاً للغاية، وجاء في توقيته المناسب، بعد معرفة الناس لقيمة السلام الحقيقية التي ستدفع المنطقة نحو المستقبل.
فالسلام بالضرورة يولّد الحضارة، والإمارات هي في قلب هذا الحدث لأنها وعدت منذ زمن، وبوعيٍ متقدّم، بأنه لن يصلح هذا الإقليم إلا السلام، ولذلك فنحن اليوم ندفع بهذا الاتجاه بعد أن أصبحت لدى الجميع قناعة راسخة بأن السلام هو الحل».
وقد حمل المنتدى عناوين حيوية فيها مواكبة عالية للمرحلة والتحديات الحاليّة، وقد أوضحت هذه العناوين أن المغامرات المقام بها من قبل المنظّمات والحركات يجب أن تتوقف. كما بينت أن أفكار الهيمنة بدأت تتغيّر في وقتنا الحالي، حيث لم تعد الحروب هي السبيل نحو السيطرة، وإنما تمكّن العلم من تحقيق كل ذلك. وهنا نتحدث عن السيطرة التكنولوجية، والقوّة التقنية، والاستثمار في الأدمغة البشرية سواء في المنطقة أو في العالم.
ومن هنا كان تأكيد الدكتور حمد الكعبي على أن أهمية اختيار موضوع المنتدى جاءت من القراءة الواعية والدقيقة لما يحدث في المنطقة من تحدياتٍ، ومن الحاجة العاجلة إلى السلام العادل والشامل الذي يتيح فرصاً أفضل للشعوب بغيةَ تكريس طاقاتها لصالح التنمية والتقدم والازدهار. وفي رأيي أن الحرب دائماً ما تأتي مثل واقعة جهنمية، أما السلام فهو المسار الحقيقي للإنسان نحو الإنقاذ والخلاص.
نعم، للحروب وظيفتها، كما أن للسلام دوره، وعلى مدى التاريخ أخذت الحروب حيزَها الكبيرَ من الدرس والتحليل، وذلك باعتبارها ذروة قصوى من ذروات التاريخ، وعلى أثرها تتشكل جغرافيا جديدة، وتوضع على الأرض إمكانات مختلفة، لكنها ليست هي الطريقة التي تناسب ما وصلت إليه البشرية الآن من تقدم وتطور.
كثيرة هي الدراسات التي تتحدث عن الحرب والتاريخ والإنسان، وهي في نتائجها دراسات تتراوح بين القبول والرفض، لذا يمكن تلخيصها جميعاً بالقول إن للحروب هدف وزمن، كما أن لكل طرفٍ أوانه للدخول في السلام.
والخلاصة، أن المنتدى بيّن باحترافيةٍ وبوضوح كيف صنعت دولة الإمارات السلام بكل سبقٍ وحكمةٍ ودقة، وأن الإقليم ما عاد يحتمل الحروبَ والمغامرات، وأن ثمة رؤى تنموية صاعدة، وأن السلام هو أساس تحقيق وجود الإنسان ورفاهيته المستحقة.
*كاتب سعودي