يمثّل إدراك التهديد في العلاقات الدولية أحد العناصر الجوهرية التي تقوم عليها نظريات الأمن والتحالفات، إذ يحدّد -وفقاً للمدارس الواقعية وما بعدها- كيفية استجابة الدول لمصادر الخطر المختلفة. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في بيئة الخليج العربي بصفتها بيئة أمنية إقليمية ذات خصائص متشابكة، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الهوية وبنية التوازنات والأبعاد الأيديولوجية العابرة للحدود الوطنية. وفي هذا السياق تتبدّى دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً حيويّاً لتغيّر الإدراك الأمني في المنطقة، بما يعكس تحوّلاً في فهمها لطبيعة التهديدات وأساليب مواجهتها. وتكمن خصوصية الحالة الخليجية في أن هويتها الرسمية عربية إسلامية خليجية، لكنها تضم في داخلها تنوعاً مذهبيّاً وقبليّاً وديموغرافياً يُمكن توظيفه سياسياً وأمنيّاً عبر الحدود الوطنية.
ويعكس هذا الاتجاه ما أشارت إليه الباحثة «آنا رويس» (2025) في كتابها «التهديدات الأمنية المتطورة وتأثيرها على الهوية في دولة الإمارات العربية المتحدة» بأن تصوّرات التهديد في دولة الإمارات تشكّلت بقدر كبير من خلال الهوية والمؤسسات المعيارية، لا من خلال القدرات المادية وحدها، وهو ما يؤسس لرؤية خليجية ذاتية تستند إلى إدراك داخلي للبيئة الأمنية.
وخلال العقد الأخير اتسع نطاق هذا الإدراك ليشمل أبعاداً غير تقليدية، فالتطورات في مجال الحرب السيبرانية، وظهور التهديدات غير المتناظرة، والتغيرات في هيكل التحالفات الإقليمية، فرضت على دولة الإمارات إعادة تعريف أولوياتها الأمنية. وهذه التحولات انعكست في سياسة خارجية أكثر فاعلية واستباقية، تمثّلت في الانخراط المباشر في ملفات إقليمية مثل اليمن، وتعزيز الشراكات الدفاعية مع قوى عالمية وإقليمية، وتطوير القدرات النووية السلمية والفضائية، وبناء منظومات أمن سيبراني متقدمة. إن هذه الخطوات تعكس إدراكاً متجدداً للتهديد لا يقتصر على الردع التقليدي، بل يتعداه إلى بناء القدرات الذاتية وتحقيق استقلالية كبرى في القرار الأمني.
وفي هذا السياق يبرز نموذجٌ لافت للنظر هو إبرام المملكة العربية السعودية شراكات دفاعية استراتيجية مع باكستان في سبتمبر الماضي، وهي دولة نووية تربطها علاقات وثيقة بالصين. وبحسب تقرير لوكالة رويترز (2025)، فإن الهجوم الذي تعرّضت له قطر، من قبل إسرائيل، شكّل دافعاً لتعزيز التأمين الدفاعي خارج المظلة الأميركية، وإن الاتفاق مع باكستان يُفسَّر بأنه محاولةً لتعويض ضعف الحماية الأميركية.
وقد مثّل هذا التوجه تحوّلاً في التصورات التقليدية للدور الأميركي في المنطقة، وأشار إلى بحث دول الخليج عن خيارات دفاعية أكثر تنوعاً بعيداً عن المظلة الأميركية التقليدية. ويُعدّ النموذج السعودي دليلاً بارزاً على كيفية توظيف التحالفات الثنائية والمتعددة الأطراف لتعزيز الأمن الوطني والإقليمي في آنٍ واحد، وهو ما يتقاطع مع ما أقدمت عليه دولة الإمارات من إعادة تعريف لأولوياتها الأمنية، وتعزيز شراكاتها الإقليمية والدولية.
وتفسَّر هذه التحولات بعوامل عدة مترابطة: أولاً، اختلال ميزان القوى التقليدي بعد انهيار العراق وتزايد النفوذ الإيراني عبر أذرع غير نظامية، وهو ما ولّد فراغاً أمنيّاً دفع إلى البحث عن مقاربة وقائية أكثر نشاطاً.. وثانياً، بروز الهويات الانتقالية العابرة للحدود الوطنية، كما أشار «غوس» (2010)، التي تتيح للقوى الطموحة التغلغل في السياسات الداخلية لجيرانها، وهو ما يزيد من احتمالات النزاع، ومن ثم التأثير في التدابير الأمنية.
ومن الزاوية النظرية يوضّح هذا المسار كيف انتقلت دولة الإمارات من نموذج «توازن القوى» إلى ما يمكن تسميته «توازن الأمن»، أي التركيز على بناء شبكة من القدرات والتحالفات المتداخلة تكفل تحقيق الاستقرار على المدى البعيد. وهذا النموذج يتسق مع مقولات «بوزان ووايفر» (2003) بشأن المجمع الأمني الإقليمي، إذ تربط النظرية بين الديناميات الداخلية والإقليمية والقوى الفاعلة عالمياً، ففي بيئة كالخليج العربي، حيث تتشابك المصالح وتتناقض الهويات، يصبح فهم الإدراك الأمني عملية مركّبة تتجاوز حسابات القوة المادية إلى تحليل الهويات والنيات والقنوات غير الرسمية للتأثير. وقد أشار «تو وزملاؤه» (2024) في دراستهم عن «فك تشابك تصور التهديد في العلاقات الدولية» إلى أن إدراك التهديد في العصر الحالي يتجاوز القياسات العسكرية التقليدية ليشمل الأبعاد المعرفية والنفسية والاجتماعية، وهو ما ينسجم مع تحوّل دولة الإمارات في إدراكها الأمني نحو مقاربة أكثر شمولاً.
إن انعكاسات هذا الإدراك المتحوّل على سياسة دولة الإمارات الأمنية واضحة، فمن ناحية عزّزت الدولة شراكاتها الدفاعية واستثماراتها في القدرات النوعية لتقليل الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية. ومن ناحية أخرى سعت إلى توظيف أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز مكانتها الإقليمية واحتواء مصادر التهديد غير التقليدية. وهذه المقاربة المزدوجة -الردع والتنمية- تعبّر عن رؤية أمنية شاملة تستجيب للتحولات في بيئة التهديدات، وتؤكّد قدرة الدولة على تحويل المخاطر إلى فرص لتعزيز الاستقرار.
وخلاصة القول أن تحوّل الإدراك الأمني في الخليج، ليس انعكاساً للأحداث فقط، بل هو عملية بنائية معرفية مرتبطة بالهوية أيضاً، فالدولة لم تعد ترى التهديد في القدرات العسكرية وحدها، بل في المنظومة الكاملة للعوامل المؤثرة في أمنها الوطني، ومنها الهويات العابرة للحدود الوطنية والتكنولوجيا المتقدمة والتحالفات المرنة. ويُعدّ هذا التحول مؤشراً إلى نضج التفكير الاستراتيجي الخليجي، وإلى سعيه لتجاوز الإطار التقليدي نحو صياغة رؤية أمنية ذاتية قادرة على التكيّف مع عالم متعدد التحديات والتهديدات. ومن ثم يقدم نموذج دولة الإمارات إطاراً يمكن لدول المنطقة الاسترشاد به في إعادة صياغة سياساتها الأمنية بنحو أكثر توازناً واستدامةً واستقراراً.
دكتور/ محمد النوبي*
*موجِّه باحث في كلية الدفاع الوطني