تُعدّ الأسواق الأدبيّة العربيّة القديمة من أبرز المظاهر الثقافيّة، التي احتفى فيها العرب بنتاجاتهم الأدبيّة، مثل أسواق عكاظ وذي المجاز والمربد وغيرها، حيث كان الشعراء يتنافسون في إظهار أروع ما جادت به قرائحهم الشعريّة، فتُتلى القصائد على الأسماع، وتُحفَظ في الذاكرة، ويتلقّى الشاعر المُجيد جائزته، فيما تجد القصائد الأخرى طريقها إلى الذيوع والانتشار. وهكذا شكّلت تلك المهرجانات الثقافيّة رافداً أساسيّاً لازدهار الشعر العربي وانتشاره. أمّا في عصرنا الحديث، فقد أصبحت معارض الكتب تؤدي دوراً ثقافيّاً ومعرفيّاً قريباً ممّا كانت تؤديه تلك الأسواق الأدبيّة في الماضي.
وقبل أيام قليلة أعلنت هيئة الشارقة للكتاب -في مؤتمرها الصحفي- برامج وفعاليات الدورة الرابعة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، ثالث أكبر معارض الكتب في العالم. ويُعدّ هذا الحدث الأبرز في المشهد الثقافي العربي، إذ ينتظره عشّاق الكتب ومحبو المعرفة سنوياً، من داخل الدولة وخارجها. ويُقام المعرض خلال الفترة من 5 إلى 16 نوفمبر تحت شعار «بينك وبين الكتاب»، في وصفٍ بليغ لتلك العلاقة الخاصة التي تنشأ بين القارئ والكتاب.
وعلى مدى أربعة عقود اعتاد معرض الشارقة الدولي للكتاب أن يحتفي بالكِتاب والإبداع والفكر، وأن يوفّر فضاءً رحبًا يلتقي فيه الكتّاب بالقرّاء، وتُفتح من خلاله آفاق الحوارات الثقافيّة المتنوّعة عبر فعالياته وأنشطته المصاحبة. كما يُتيح فرصًا واسعة للناشرين من مختلف أنحاء العالم للتعاون وتبادل الخبرات، في عرسٍ ثقافيٍّ بهيج يليق بالمكانة المرموقة التي حقّقتها الإمارة الباسمة، التي حفرت اسمها بجدارة في موسوعة الثقافة العالميّة.
ولا تقتصر أهميّة معارض الكتب اليوم على عرض أحدث المنشورات والمطبوعات فحسب، بل أصبحت مواسم ثقافيّة واجتماعيّة وإعلاميّة، يلتقي فيها الكبار والصغار للمشاركة في صناعة مشهدٍ معرفيّ وحضاريّ، بحضور الندوات والجلسات الحوارية وورش العمل المتنوّعة، التي تغطّي مجالات علميّة وأدبيّة وإعلاميّة وفنيّة وتقنيّة.
كما بات انعقاد معارض الكتب يتزامن مع أحداث ثقافيّة كبرى، يوفّر تنظيمها في هذه الفترة فرصةً مثاليّة لاستقطاب الزوّار والمهتمين بقطاعي النشر والثقافة. ومن أبرزها: المؤتمرات الخاصة بالمكتبات والنشر والصناعات الإبداعيّة، وإعلان جوائز المسابقات الأدبيّة التي تحظى بمتابعة واسعة من القرّاء والأدباء والمفكرين والمترجمين.
وقد لخّص صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، هذه الرؤية بقوله: «نحن نؤمن بأهميّة توفير الكتب للجميع، وانطلاقاً من هذا، فإننا نعمل على تحويل معارض الكتب إلى واحاتٍ للمعرفة والثقافة». وهي بالفعل كذلك في دولة الإمارات.
د. بديعة الهاشمي
رئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها- جامعة الشارقة