انتهي في 28 نوفمبر الجاري مهلة تقديم طلبات الاشتراك في دورة التراخيص الثالثة لسبعة بلوكات تمتد على طول الساحل اللبناني من الشمال مع سوريا إلى الجنوب مع إسرائيل، من دون أن تتلقى وزارة الطاقة اللبنانية أيَّ طلب حتى الآن، علماً بأنه سبق أن تم تأهيل 40 شركة عالمية. ويرجح المراقبون أن يكون مصير هذه الدورة مثل الدورتين السابقتين؛ الأولى والثانية. وبذلك تبقى «حصرية» الاستكشاف والتنقيب مع تحالف الشركات الثلاث: «توتال» الفرنسية و«إيني» الإيطالية و«طاقة» القطرية، وهو التحالف الذي سبق أن نجح في استثمار البلوك رقم 4 شمال بيروت، والبلوك رقم 9 في الجنوب على الحدود مع إسرائيل. وقد وافق مجلس الوزراء في 23 أكتوبر المنصرم على منح التحالف عقدَ استكشافِ وإنتاجِ الغاز في البلوك رقم 8 المجاور للبلوك رقم 9.
أما أسباب غياب الشركات العالمية عن الاهتمام بالتنقيب عن الغاز في لبنان، فتعود إلى عوامل عدة تتعلق بفقدان الاستقرار الأمني والسياسي، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق الجنوب والبقاع شرق العاصمة بيروت، ما جعل هذا البلد غير جاذب للاستثمارات، لكنه أتاح في الوقت نفسه لتحالف «توتال» الثلاثي حجزَ مكان له في البحر اللبناني من دون منافسين، رغم عدم نجاح تجربة «توتال» وهي المشغِّل الرئيسي، في مسار التنقيب في البلوكين 4 و9. ويتخوف الخبراء من أن لا يأتي البلوك رقم 8 بنتائج أفضل، لاسيما مع إمكانية استبعاد الوصول إلى مرحلة حفر أول بئر استكشافي فيه قبل نحو خمس سنوات قادمة، مما يؤخر استفادةَ لبنان من ثروته الغازية، ويعزز احتكار «توتال» للبلوكات البحرية.
وبموجب الاتفاقية الجديدة، يلتزم «التحالف» في المرحلة الأولى، خلال 3 سنوات، بإجراء مسح ثلاثي الأبعاد، وإعداد الدراسات وتقدير واقع البلوك «رقم 8»، تمهيداً للبدء بالمرحلة الثانية، وهي الحفر أو الانسحاب، علماً بأن الحكومة أعربت عن أملها بتسريع إنجاز المسح، وتقليص المدة المحددة.
لقد سبق أن أُجريت بين عامي 2006 و2013 مسوحات زلزالية ثلاثية الأبعاد شملت نحو 80 في المئة من مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة البحرية للبنان، لكنها لم تشمل البلوك رقم 8،لأن الجزء الأكبر منه كان يقع في المناطق المتنازع عليها، ثم شملها بعد ذلك اتفاقُ ترسيم الحدود البحرية الذي وُقع في 27 أكتوبر 2022 بين لبنان وإسرائيل.
وفي أواخر العام 2024 وقّع وزير الطاقة السابق وليد فياض اتفاقاً مع شركة «تي جي اس» النرويجية الأميركية، لإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد لـ1200 كلم مربع في البلوك «رقم 8». وبعدما حصلت الشركةُ على الموافقات المطلوبة من وزارتَي البيئة والأشغال والنقل، ووصلت السفينةُ المتخصصة إلى مكان البلوك لبدء عملها في سبتمبر الماضي، على أمل أن تنجز الدراسات الأولية خلال شهرين فقط، أي قبل نهاية دورة التراخيص الثالثة في 28 نوفمبر الحالي. ثم حصلت المفاجأة عندما طلب منها وزير الطاقة الحالي وقفَ العمل ومغادرة السفينة فوراً المياهَ اللبنانيةَ. وقد تم ذلك بضغط من شركة «توتال» التي هددت الوزير بوقف كل أعمالها في لبنان، إذا لم تقم هي نفسُها بأعمال المسح.
وبما أن وزارة الطاقة قد منعت شركة «تي جي اس» من إتمام موجبات الرخصة التي حصلت عليها، من دون مبرر قانوني أو منطقي، وسببت لها أضراراً قدّرتها بنحو 4.5 مليون دولار، فقد بدأت بإجراءات قانونية لمطالبة الدولة اللبنانية بتعويض عن خسارتها.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية