نظرياً، قد تدير الروبوتات الاقتصاد الأميركي يوماً ما، لكن في عام 2025، وفي المستقبل المنظور، سيظل البشر يقومون بمعظم الأعمال الشاقة. فإذا أوقفنا تدفق العمال إلى الاقتصاد - كما فعل دونالد ترامب خلال الأشهر التسعة الأولى من رئاسته - فسيختل النظام في نهاية المطاف. في الوقت الحالي، تتضافر الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن إمكانات الذكاء الاصطناعي، لتقليل الطلب على العمالة، مما سمح لصناع السياسات وأصحاب العمل بتأجيل مواجهة هذا المأزق.
لكن على المدى الطويل، سندفع أسعاراً أعلى مقابل السلع والخدمات التي ننتجها، أو ربما ننتج كميات أقل منها إذا لم تتعامل الولايات المتحدة بجدية مع شيخوخة سكانها السريعة وتضع سياسات تضمن تدفقاً مستمراً من العمال. ظاهرياً، يبدو أن هناك الكثير من العمال المحتملين في الولايات المتحدة الذين يمكن الاعتماد عليهم عند الحاجة.
يبلغ معدل المشاركة في القوى العاملة في الولايات المتحدة حوالي 62.3%، وهو ما يقترب من أدنى مستوى له في 50 عاماً، مما يعني أن هناك حوالي 103 ملايين من السكان الذين تتجاوز أعمارهم 16 عاماً فأكثر لا يعملون حالياً ولا يبحثون عن عمل. لكن جذب حتى عدد بسيط منهم إلى سوق العمل مهمة شاقة للغاية. أولاً، بالنسبة للفئة العمرية 55 عاماً فأكثر، فإنه خلال العشرين عاماً الماضية، ارتفعت نسبة هذه الفئة من نحو 29% من السكان المدنيين إلى حوالي 37%، ومن المتوقّع أن تستمر بالزيادة في العقود القادمة، وفقاً لتوقعات مكتب الميزانية في الكونجرس. لطالما كانت مشاركة هذه الفئة في القوى العاملة أقل من مشاركة الفئات الأصغر سناً، لكن الفجوة اتسعت في السنوات الأخيرة. في البداية، انخفضت المشاركة بسبب جائحة كوفيد-19.
لكن التأثيرات التركيبية تفسر استمرار انخفاضها: فعدد أكبر من أفراد هذه الفئة تجاوزوا الآن سن 65، ومن غير المرجَّح عودتهم إلى العمل قريباً. لقد أصبحوا أكثر ثراءً بفضل ازدهار سوق الأسهم وارتفاع أسعار المنازل. ولن يتغير هذا الوضع إلا إذا انهارت الأسواق - وهو أمر لا أحد يتمنى حدوثه. أما بالنسبة للفئة العمرية 55-64 عاماً، فإنّ مشاركتهم تقترب من مستويات قياسية، حتى مع تحقيقهم مكاسب مماثلة في الأسواق، مما يجعلهم في وضع جيد للتقاعد خلال العقد المقبل تقريباً. وبين الشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، انخفضت مشاركتهم في سوق العمل بشكل ملحوظ منذ التسعينيات.
فقد اختار المزيد من الشباب الالتحاق بالجامعة، لكنه تأثر أيضاً بالأزمة المالية وبسوق العمل الراكدة في السنوات الأخيرة. هناك جهود حالية لجذب الشباب إلى المهن التقنية والحرفية، بدلاً من الدراسة لمدة أربع سنوات في الجامعات، وهي جهود قد ترفع عرض العمالة في هذه الفئة بطريقة مفيدة للجميع، لكن «ثورة المدارس المهنية» لن تحدث بين عشية وضحاها.
حتى في سيناريو يُفترض فيه أن مشاركة هذه الفئة سترتفع إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية - من 54.3% حالياً إلى 60% - فسيؤدي ذلك إلى إضافة حوالي 2.2 مليون عامل. سيكون ذلك مفيداً للغاية، لكن هل هو واقعي؟ السيناريو الأكثر واقعية سيكون ارتفاع المشاركة بنسبة نقطة أو نقطتين مئويتين فقط، أي ما يعادل 400000 إلى 800000 عامل إضافي. ثم نأتي إلى العمال في سن العمل، أي من 25 إلى 54 عاماً. إنّ نسبة مشاركة هذه الفئة في القوى العاملة قريبة جداً من المستويات القياسية التي سُجلت في التسعينيات. لكن ذلك سيتطلب تحسين خدمات رعاية الأطفال لمساعدة الآباء على العودة إلى العمل. فلنبدأ بالنساء: تبلغ نسبة النساء في سن المشاركة في سوق العمل 77.7%، وهو رقم مرتفع تاريخياً وقريب من أعلى مستوى له، لكنه لا يزال أقل من نسبة الرجال البالغة 89.8%.
إنّ سدَّ نصف هذه الفجوة فقط سيضيف نحو 3.9 مليون عاملة، لكن هذا الهدف أصبح أقل واقعية بسبب ارتفاع تكاليف رعاية الأطفال ومرحلة ما قبل المدرسة بنسبة 28% منذ عام 2019. أما الرجال في سن العمل، فإذا كانت سياسات «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (ماجا) في الاقتصاد العمالي ستنجح فعلاً، فستتضمن انتعاشاً في مشاركة الرجال. إن العودة إلى معدلات المشاركة من أوائل الألفية تعني إضافة نحو 1.4 مليون عامل، أما العودة إلى مستويات الستينيات فستضيف نحو 4.6 مليون عامل. لكن هذا يبدو بعيد المنال نظراً للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية خلال العقود الستة الماضية.
وجد بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، في ورقة بحثية عام 2025، أن أهم أسباب انخفاض مشاركة الرجال تشمل تحمُّلهم مسؤوليات الرعاية الأسرية، والالتحاق بالتعليم في مراحل متقدمة من العمر، وعدم توافق المهارات مع متطلبات. يفترض هذا التحليل أن السكان غير المشاركين حالياً يمتلكون المهارات التي تحتاجها الصناعات إذا قرروا العودة إلى العمل، لكن هذا غير واقعي.
فالكثير منهم يعيشون في مدن وبلدات غير مناسبة، أو يمتلكون خلفيات لا تتناسب مع الوظائف المتاحة، أو يفتقرون إلى الحوافز الكافية لقبولها. وعندما يكون ذلك ممكناً، سيتعين على صنَّاع السياسات مساعدتهم في اكتساب مهارات جديدة، وربما الانتقال إلى مناطق توفر فرصاً أكبر. وقد يصبح ذلك الخيار الوحيد أمام الشركات التي تحتاج إلى التوسع.
لكن جهود ترامب لتقليص تدفق المهاجرين بشكل كبير ستترك فجوة ضخمة في سوق العمل. فبحسب تحديث مكتب الميزانية في الكونجرس لشهر سبتمبر، من المتوقّع أن يكون عدد المهاجرين الجدد بين عامي 2025 و2030 أقل بنحو 3.6 مليون شخص، مقارنة بتقديرات يناير، وتشير توقعات أخرى إلى أن الانخفاض قد يكون أكبر من ذلك.
إنّ تراجع معدلات الهجرة يتزامن مع شيخوخة السكان وانخفاض معدلات الخصوبة، وهما مشكلتان سيكافح المسؤولون الحكوميون لزيادتهما مهما حاولوا. يبقى الذكاء الاصطناعي العامل المجهول في هذه المعادلة، لكن طريق اعتماده في سوق العمل سيكون طويلاً ووعراً. وعلى المدى المتوسط، ستواجه الشركات صعوبة في الحصول على العمال الذين تحتاج إليهم طالما ظلت معدلات الهجرة منخفضة - ما لم يحدث ارتفاع غير متوقّع وغير محتمل في معدلات المشاركة في القوى العاملة. جوناثان ليفين* كاتب متخصص في الأسواق والاقتصاد الأميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»