في عصر التكنولوجيا المتقدّمة، يشغل الإعلام ركناً أساسيّاً في مسيرة الدول وبوصلتها على الطريق نحو المستقبل، فعندما يعمل الإعلام بمهنية ومسؤولية يسهم في المعرفة، ويركز على القضايا المصيرية للمجتمعات، ويكشف التحديات ويطرح فرص المستقبل، ويُلقي الضوء على الابتكارات والأفكار الجديدة والاكتشافات العلمية والتجارب الناجحة حول العالم، ويدفع المجتمعات نحو ثقافة الابتكار.
وضمن هذا السياق، جاءت مشاركة مركز تريندز للبحوث والاستشارات في فعاليات الدورة الـ 21 للملتقى الإعلامي العربي، بصفته شريكاً استراتيجياً للملتقى الذي عُقد الأسبوع الماضي في بيروت، برعاية وحضور رئيس الجمهورية اللبنانية، وبمشاركة عدد كبير من وزراء وقيادات الإعلام العربي، الذي كان بمثابة منصة حوارية رفيعة المستوى، لبحث الواقع الإعلامي العربي وتطوّره والتحديات التي تواجهه، في عصر يشهد انتشاراً كبيراً للذكاء الاصطناعي، إذ تُعدّ شراكة «تريندز» الاستراتيجية مع الملتقى الإعلامي العربي امتداداً لرؤية تبنّي الجسور بين البحث العلمي والعمل الإعلامي، فالإعلام العربي يمتلك فرصة لتكريس دوره التنموي عبر تبنّي الخطاب المعرفي المستند إلى المعلومة الموثوق بها والمدققة، والتحليل العلمي الرصين.
ولتسليط الضوء على دور المعرفة والبحث العلمي في دعم الإعلام العربي كشريك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، نظّم «تريندز» - بالتعاون مع الملتقى - الجلسة الرئيسية الأولى التي جاءت تحت عنوان: «الإعلام العربي في قلب التنمية المستدامة»، ضمّت وزراء ومسؤولين بارزين في مجال الإعلام العربي، التي أكدت حقيقة واضحة، وهي أن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون إعلام يواكب الإصلاح، ويجسر الفجوات، ويُسهم في صياغة رؤية عربية مشتركة تجعل من الكلمة الحرة قوةً دافعة نحو المستقبل. كما حظيَ «تريندز» بشرف اللقاء مع رئيس الجمهورية اللبنانية، حيث تم تأكيد أهمية دعم المؤسّسات البحثية والإعلامية لخطط التنمية المستدامة في المنطقة العربية.
لقد ظل الإعلام والتنمية – دائماً - شريكين في خدمة الدول، ولا يمكننا التقدّم من دون إعلام مهني ومسؤول يُسهم في الاستقرار ويعزز مكانة الدولة، عبر منظومة قيم وإبداع وابتكار، فالإعلام قوة تأثير في توعية المواطن، وتحفيزه على المشاركة الفاعلة في بلده، والتنمية أولوية الدول والمجتمعات، وبالإعلام الواعي يمكننا ربط جهود الدول بآمال المواطنين لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ولقد تحوّل الإعلام من ناقل للخبر إلى شريك في التنمية، إذ يُسهِم في توعية المجتمع، ومراقبة الأداء العام، وتحفيز المشاركة الإيجابية، وبتمكينه تشريعياً يستطيع الموازنة بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية ومواكبة التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، فالإعلام المهني ركيزة المجتمع والدولة، والتغيرات السريعة في صناعة الإعلام تؤثر على مواكبة القوانين، أي أنّنا في حاجة إلى مواكبة التكنولوجيا وتشريعاتها من دون خلَل بين الجانبين.
وفي عصر بات التضليل مستشرياً، خاصة في وسائل الإعلام الحديثة، فإن على الإعلام دوراً أكبر في كشف الحقيقة في وجه التضليل، والحفاظ على الاستقلالية والمهنية، وعدم ترك مسارات الإعلام لتكنولوجيا غير بشرية تتحكم فيه كلياً، فالتضليل يؤثر على السِّلم الأهلي والمسار التنموي للدول. وللإعلام دور في بثّ الأمل رغم الأزمات، واعتبار الاستقرار شرطاً للتنمية، والتركيز على التنمية كأولوية لا يسبقها أي شيء على أجندة الإعلام.
لقد حان الوقت لتطوير المواثيق الإعلامية، بما يشمل الدقة ونبذ الكراهية والتوازن بين حق الجمهور في المعرفة والمصلحة العامة، ودور الإعلام في تحقيق التنمية المستدامة، ومخاطر الإعلام غير المهني على خلق الفوضى المجتمعية، وضمان التوازن بين حرية التعبير والسيادة الرقمية.
لقد أدى مركز «تريندز» دوره كشريك استراتيجي في منتدى الإعلام العربي الحادي والعشرين في بيروت، التزاماً منه بدعم مسارات التنمية المستدامة في المنطقة، عبر الفكر البحثي الرائد، وإنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة المجتمع وصنّاع السياسات، ولاسيّما في مجالات الإعلام والتواصل الاستراتيجي.
*الرئيس التنفيذي لمركز تريندز للبحوث والاستشارات