الكم ليس المحك، بل المعنى والمغزى فيه على المحك، وهو الاختبار الأصعب الذي يواجه الإنسان في أي مكان. الناس بشكل عام أجناس، منهم ظالم لنفسه، وآخر مقتصد، وثالث سابق بالخيرات. الجوهرة الإنسانية الأولى التي تذهب ذات المنحى لدى جميع البشر أو الشعوب، ترشدنا الوصية عند قولها: إذا أردت أن تكشف نوعية المحيطين بك: ارمِ العظام ستظهر «الكلاب»..ارمِ البذور ستظهر العصافير.. ارمِ نفسك سيظهر الأصدقاء.. بين هذه الأصناف الثلاثة من بني الإنسان، عليك أن تدرك ماذا عليك أن ترمي لتصطاد به نفسك وتنقذها من النوع الأول.

أما الجوهرة الثانية فهي: إذا أردت معرفة كيف يتحدث الناس عنك في غيابك، اسمعهم كيف يتحدثون عن الآخرين في حضورك، فمن حمل عنك يحمل عليك؟! وخلاصة كل ما سبق عند المصطفى، صلى الله عليه وسلم، صاحب جوامع الكلم، عندما قال: «أمسك عليك هذا» يعني لسانك. أما الجوهرة الرابعة، فتجدها في الترحال، حيث لا أهل، ولا من يعرف غير صاحبك في الأسفار، لذا قيل: إذا أردت أن تعرف أخلاق الرجال، فاستشرهم أو رافقهم في السفر، وسمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق من تسافر معهم، حيث الحواجز النفسية مرفوعة. يقول الإمام الشافعي، رحمه الله، في فوائد السفر: تغرب عن الأوطان في طلب العلى وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد.

والسفر في حد ذاته مدرسة أخرى للحياة مختلفة عن مدرسة الاستقرار. الجوهرة الخامسة تقع في مجال صفة الغضب، عند الإنسان، الأصل هي جزء لصيق بفطرته، ولا يمكن إنكاره أو تجاهله أو التغاضي عنه. أما مجال اختباره فيما يتعلق بحياة الناس هنا: إذا أردت أن تعرف عقلية شخص ما، فحاول أن تغضبه، ثم تابع رد فعله، عندها ستعرف مستوى عقله، ومكانتك بقلبه وقت الغضب. جوهرة سادسة تحافظ على عزة الإنسان وكرامته الأزلية، فإذا أردت أن تبقى عزيزاً، ابتعد عن كل من لا يقدّر قيمتك. والجوهرة السادسة نستلهمها من المثل الإنجليزي الذي يقول: إذا أردت أن تعرف حقيقة إنسان، فاعطه مالاً أوسلطة. وقال تعالى في هذا المعنى: «ما أغنى عنّي ماليه، هلك عني سلطانيه، يا ليتها كانت القاضية».

وحقيقة الغنى بالاستغناء، وليس في الاستحواذ، والأصل في السلطة بالحكمة، وليس بالتسلط على عباد الله وخلقه. جوهرة سابعة تتعلق بذات الإنسان وحقيقة معرفة الآخرين به، فهي تلمع بقولها: إذا أردت أن تعرف شيئاً عني، فاسألني، بدلاً من أن تسأل غيري، فعشاق التأليف كثيرون. مهما كانت الناس قريبة من أنفاسك، فأنت أدرى بنفسك من أي شخص آخر، يقوم بالتحدث نيابة عنك سلباً أو إيجاباً.

الزمن أحد أعمدة الحضارة في كل الأزمنة، وفق هذه المعادلة: الإنسان + الزمن + المكان = الحضارة. من هنا نجد الجوهرة الثامنة في هذه المقولة المختصرة: إذا أردت أن تعرف قيمة السنة، اسأل طالباً رسب في الامتحان النهائي. والجوهرة التاسعة والعاشرة، فهما: إذا أردت أن تعيش حياة سعيدة، فاربطها بهدف وليس بأشخاص أو أشياء، وإذا أردت اكتشاف عقل شخص ما، فانظر إليه كيف يحاور من يخالفه الرأي.

*كاتب إماراتي