بينما يراقب العالم تطور الذكاء الاصطناعي بثقة وانبهار، تتحرك الولايات المتحدة في مسار موازٍ نحو مشروع أكثر حساسيةً وتأثيراً «الدولار الرقمي»، العملة التي تُعدّ في نظر صنّاع القرار في واشنطن طوق النجاة الأخير للاقتصاد الأميركي.
فمع بلوغ الدين العام الأميركي أكثر من 37.64 تريليون دولار، وإغلاق الحكومة الأميركية للشهر الثاني على التوالي مما ترك 1.4 مليون موظف بلا أجر ومع تقلّص نفوذ الدولار الورقي في التجارة العالمية أمام صعود اليوان الرقمي والعملات الإقليمية، لم يعد أمام واشنطن سوى إعادة ابتكار الدولار بصيغة رقمية مبرمجة تستعيد السيطرة على النظام المالي العالمي.
والدولار الرقمي هو أكثر من مجرد تطوير تقني؛ إنه مشروع جيو- اقتصادي يعيد تمركز القوة النقدية داخل النظام الأميركي من خلال عملة يمكن تتبعها والتحكم فيها آنياً، وبمجرد تفعيلها ستتحول كل حركة مالية من التحويلات إلى عقود الطاقة، وإلى بيانات تمر عبر الخوارزميات الفيدرالية.
وبهذا الشكل تضمن واشنطن استمرار نفوذها المالي وتكتسب أداة مراقبة اقتصادية غير مسبوقة، غير أن هذا التطور الذي يبدو منقذاً وحتمياً للولايات المتحدة، يحمل في طياته خطراً وجودياً على اقتصادات الخليج. فالمنظومة المالية الخليجية تعتمد منذ عقود على «المعادلة الذهبية» ألا وهي النفط يباع بالدولار، والعائدات تُستثمر بالدولار، والاحتياطيات تدار بالدولار، لكن حين يتحول هذا الدولار إلى نسخة رقمية تدار من الخوادم الأميركية مباشرة، ستتغير قواعد اللعبة بالكامل، ستفقد البنوك المركزية الخليجية جزءاً من سيادتها النقدية، لأن كل دولار يدخل اقتصادها سيكون قابلاً للتجميد أو التقييد أو المراقبة اللحظية من الخارج.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ودائع العملاء تمثل نحو 83% من مصادر تمويل البنوك الخليجية، ومع دخول العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDC) من المتوقع أن تشهد المصارف نزوحاً في الودائع بنسبة 20–25% خلال السنوات الخمس الأولى من التطبيق. هذا يعني ارتفاع تكلفة التمويل وضعف هوامش الأرباح التي تبلغ حالياً 3.2% من الأصول مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 2.3% فقط.
ووفقًا لتقرير «McKinsey» قد تفقد البنوك الخليجية ما يقارب 40% من أرباحها إذا لم تطور منتجات مصرفية رقمية متقدمة قادرة على منافسة أنظمة الدفع السيادية الجديدة. شهدت الأسواق المالية الخليجية تراجعاً في قيم التداولات خلال النصف الأول من عام 2025، وهذا يعكس بالدرجة الأولى حالة من الحذر لدى المستثمرين وانخفاض مستويات النشاط في بعض الأسواق الكبرى، واحتمال أيضاً مرحلة من التحول الصعب. فالمستثمرون الدوليون سيفضلون المنصات الأميركية والأوروبية التي تعتمد الدولار الرقمي وتقدم تسوية فورية بلا وسطاء، ما يعني سحب السيولة تدريجياً من البورصات الإقليمية وتراجع تقييمات الشركات الكبرى.
أما سوق الطاقة الخليجي، الركيزة الأساسية للاقتصاد، فيبدو الأكثر هشاشةً أمام هذا التحول، فبحسب الوكالة الدولية للطاقة سيبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته عند 105.6 مليون برميل يومياً في 2029، قبل أن يبدأ بالانخفاض إلى 77 مليوناً في 2030، ثم 24 مليوناً في 2050 في سيناريو الطاقة النظيفة. وفي ظل الدولار الرقمي ستدار كل صفقة نفط عبر منظومات مالية أميركية قادرة على فرض ضرائب كربونية ذكية، أو تقييد مدفوعات الطاقة الأحفورية. ولا يقلّ المشهد الصناعي خطورةً إذ تعتمد الصناعات الخليجية الثقيلة على القروض الدولارية والتحويلات العالمية لاستيراد المعدات والتقنيات، ومع رقمنة الدولار قد تخضع هذه التحويلات لأنظمة الموافقات الأميركية المبرمجة، مما يحد من استقلالية التمويل الصناعي.
كما حذّر تقرير «PwC» لعام 2025 من احتمال فقدان 10–15% من الكفاءة التمويلية الصناعية في المنطقة ما لم تطور شبكات تسوية رقمية محلية. في النهاية، يبقى الدولار الرقمي بالنسبة للولايات المتحدة وسيلة للبقاء والهيمنة، لكنه بالنسبة لدول الخليج اختبار سيادي صعب والمستقبل كما يبدو اليوم لن يكون لمن يملك النفط فقط، بل لمن يملك «الكود» والعملة الرقمية ومن سيحمي بنوكه من نزوح الودائع ويملك سندات ذهب مرقمنة وعقود طاقة تسوى بعملات رقمية سيادية ومنصة كربونية وضرائب بيئية ذكية وتسريع أسواق المال الرقمية وتحصين ربحية البنوك وأطر إقليمية قانونية موحدة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.