تحاول الدولة اللبنانية بالدبلوماسية احتواء التصعيد الإسرائيلي ضد ميليشيا «حزب الله»، تجنباً لمواجهة عسكرية جديدة بعد مرور عام على حرب خلّفت دماراً كبيراً في الجنوب ومناطق أخرى. لكن الشروط الضاغطة، أميركياً وإسرائيلياً، لا تترك سوى حيّز ضيّق للدبلوماسية، فالمطلوب منذ وقف إطلاق النار أواخر نوفمبر 2024 هو ضبط هذه الميليشيا ونزع سلاحها، واتخذت الحكومة اللبنانية القرار وكلّفت الجيشَ بوضع الخطط اللازمة لتنفيذه، إلا أنه يحتاج إلى مزيد من الدعم المالي والتسليحي كي يتمكّن من إنجاز المهمة.
وتتطلب مهمة «نزع السلاح» استعداداتٍ أكبر، لأن «الحزب» لم يتجاوب سياسياً مع الدولة رغم أنه شريك في الحكومة. أبدى المبعوثون الأميركيون تفهّماً مبدئياً لحاجات الجيش، لكنهم قدّروا أن هناك خطوات يستطيع القيام بها، أقلّه لتجميد نشاط «الحزب» ومنعه من إعادة تطوير قدراته، وهو ما اعتبرته إسرائيل أخيراً «تهديداً جديداً» ينبغي أن تزيله. وخلال الشهور الماضية استخدمت الدولة اللبنانية ما لدى رئيسها ورئيس حكومتها الجديدين من رصيد مصداقية لإقناع الوسطاء الأميركيين وسواهم بالضغط على إسرائيل كي تنسحب من المناطق التي احتلّتها وتُوقف هجماتها اليومية، فهذه الخطوة تعزز منطق الدولة ومكانتها وتساعد في الضغط على «الحزب» داخلياً.
كما حاولت الدولةُ استعجالَ مساعداتٍ دولية وعربية لتحقيق انفراج داخلي على صعيدَي التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، لكنها هنا أيضاً لم تلقَ الاستجابةَ التي توخّتها، فالدول المانحة والصناديق الدولية تنتظر إنهاءَ ازدواجية السلاح أولاً. وعندما اقترحت واشنطن مفاوضاتٍ سياسيةً مع إسرائيل، وليس فقط عسكرية، حصل انقسام في بيروت حول قبول المقترح أو رفضه فلوّحت الدولة بقبول «تفاوض غير مباشر» على مستوى خبراء وتقنيين لا مسؤولين حكوميين، لكن «الحزب» حسم موقفَه برفض أي تفاوض. وهكذا تبدو كل الأبواب مغلقةً لتبقى الخيارات مفتوحة على ما تستعد له إسرائيل، أي الحرب، وما يرغب فيه «الحزب»، أي المواجهة واستدراج الدولة إليها، لكن المؤكّد أنها لن تفعل. وإذ يعرض خبراء إسرائيليون سيناريوهات للهجمات المتوقعة ضد «الحزب»، فإنهم يشيرون إلى مواقع له في الجنوب، لكنهم يركّزون على شمال نهر الليطاني وما بعده، وبالأخص على منطقة البقاع التي يصنّفونها «مركز ثقل للحزب» ويعتقدون أنه استأنف فيها إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى تدريب مقاتلين جدد.
وقد برّرت واشنطن عقوباتِها المفروضة أخيراً على أفراد قريبين من «الحزب» بأنهم ساعدوه على تجاوز أزمته المالية، وقد انعكس ذلك في تصاعد نبرة خطابه السياسي كما في إصراره على عدم إخضاع سلاحه لأي تفاوض مع الدولة. لكن هذا الخطاب موجّه أولاً لتحدّي الدولة، ولذا تتساءل أوساطٌ كثيرة معنية بلبنان في الخارج: لماذا لا يزال «الحزب» وعناصره يتمتعون بـ«حصانة» داخلية؟ وهل يعتقد الجيش فعلاً أنه يمكن أن يتوصّل يوماً ما إلى «نزع السلاح» بالتوافق مع «الحزب»؟
في تصريحات بعد إعلان العقوبات الجديدة، قال وزير الخزانة الأميركي إن «لبنان لديه فرصة ليكون حرّاً ومزدهراً وآمناً، وهذا لن يحدث إلا بنزع سلاح حزب الله بشكل كامل وبقطع التمويل الإيراني عنه». وكما نرى، فإن هذا «الحزب» أمضى أربعة عقود في بناء قوّته وحين استشعر اقتراب تفكيك بنيته العسكرية، قفز مباشرةً إلى التهديد بـ«حرب أهلية» كما يهدد الخاطف بقتل رهينته إذا هوجم، والرهينة هنا هي الشعب اللبناني.
*كاتب ومحلل سياسي - لندن