أكثر من أي شخص آخر في واشنطن تقريباً، نالت «نانسي بيلوسي» مكانةَ مَن يعتبر نفسَه شخصيةً لا غنى عنها. فبصفتها رئيسة مجلس النواب، وهي أول امرأة تتولى هذا المنصب، كانت بارعة في الحفاظ على تماسك التحالف الديمقراطي المتنوِّع والمليء بالتناقضات. ولولاها لما كان لدينا على الأرجح قانونُ الرعاية الصحية بأسعار معقولة (أوباماكير). أظهرت بيلوسي مراراً بصيرةً سياسيةً حادة، بما في ذلك معارضتها لحرب العراق، إذ كانت من بين قلة قليلة من القادة «الديمقراطيين» الذين صوّتوا ضدها. وخلال الولاية الأولى لدونالد ترامب، أظهرت براعةً لافتةً في استفزازه ودفعه إلى التصرف كشخص غاضب، كما قال أحدُ كبار «الجمهوريين» لمجلة «بوليتيكو» عام 2019: «انفعالات ترامب تصبّ تماماً في مصلحتها».
ومع ذلك، كانت بيلوسي محقّةً حين تنحّت عن منصبها القيادي عام 2022 لإفساح المجال أمام جيل جديد، حتى لو لم يكن خليفتها «حكيم جيفريز» بنفس مستوى كفاءتها. وهي على صواب أيضاً في قرارها التقاعد الآن، لتقدّم مثالاً لحزب يعاني مشكلة «حكم كبار السن». وأوضح مثالٍ على هذه المشكلة هو القرار الكارثي الذي اتخذه جو بايدن بالترشح لإعادة الانتخاب، وهو في الحادية والثمانين من عمره. لكنّ المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فقد كان الحزب الديمقراطي في الماضي حزبَ الحيوية والشباب: فكّر في جون كينيدي، وبيل كلينتون، وباراك أوباما.. إلخ، حتى ليندون جونسون، الذي لم يكن شاباً، كان في الخامسة والخمسين فقط عندما أدّى اليمين عام 1963. أما في السنوات الأخيرة، فقد أصبح الحزب أكثر شيخوخةً، ومع تقدمه في العمر أصبح أكثر جموداً.
ويوجد أكثر من 50 نائباً ديمقراطياً في مجلس النواب تجاوزوا السبعين من العمر (منهم بيلوسي البالغة 85 عاماً)، مقارنةً بأكثر من 30 جمهورياً فقط. ومنذ بداية العام، توفي ثلاثة نواب ديمقراطيين أثناء خدمتهم، ما زاد من هامش الأغلبية الصغيرة للجمهوريين. وعندما فرض ترامب وجود قوات عسكرية في واشنطن، غابت «إليانور هولمز نورتون»، المندوبة الوحيدة للمدينة في مجلس النواب، عن الأنظار. ووفقاً لتقرير «نيويورك تايمز»، فإن نورتون البالغة 88 عاماً تجد صعوبة في أداء مهامها، وأحياناً لا تتعرف على أشخاص تعرفهم منذ سنوات. ومع ذلك، تصرّ على الترشح مجدداً.يقود الديمقراطيين في مجلس الشيوخ «تشاك شومر» البالغ من العمر 74 عاماً، وهو مؤسَّسيٌ تقليديٌ متحفِّظ، إما غير راغب أو غير قادر على الحديث بصراحة عن الأزمات السياسية المتفاقمة في أميركا. وبدلاً من ذلك، يكتفي بمناشدات باهتة لترامب كي «يحترم الأعراف»! وعندما تحدّث شومر في سبتمبر عن احتمال إغلاق الحكومة، قال: «آمل أن يعود ترامب إلى رشده»، مضيفاً أنه على الجمهوريين أن يهمسوا له: «هذا ليس ما يجب أن يفعله رئيس». ومؤخراً، دعا شومر حاكمة ولاية مين «جانيت ميلز»، البالغة من العمر 77 عاماً، للترشّح لمجلس الشيوخ. وإذا فازت، فستكون أكبر عضو جديد سناً في تاريخ المجلس.
العمر ليس معياراً مثالياً لمدى التواصل مع روح العصر، فربما لا يوجد سياسي أكثر شعبية بين الشباب من بيرني ساندرز البالغ من العمر 84 عاماً. لكن كما رأينا في انتخابات عمدة نيويورك هذا الأسبوع، يتمتع المرشحون الشباب بميزات خاصة في الوصول إلى الناخبين الجدد، لأسباب تتجاوز مجرد سياسات الهوية.
ومن أسباب فوز «زهران ممداني» في نيويورك فهمُه الغريزي لوسائل الإعلام الحديثة، من المقاطع القصيرة المنتشرة إلى البودكاستات الطويلة، علاوةً على إدراكه العميق لمعاناة الشباب المنهكين الذين يحاولون التشبثَ بمواقعهم الاجتماعية في مدينة تزداد تكلفةُ المعيشة فيها. ووفقاً لاستطلاع أجرته شبكة «إن بي سي نيوز»، فقد فاز ممداني بين فئة الشباب الذكور، وهي شريحة يعاني الديمقراطيون معها، بفارق 34 نقطة.
ربما لا يمكن تكرار تفاصيل حملة ممداني خارج المدن الليبرالية الكبرى، لكن هناك درس واحد يمكن تعميمه: الديمقراطيون بحاجة إلى مرشحين شباب يتمتعون بالكاريزما، ويدركون طبيعة البيئة الإعلامية المتشرذمة اليوم، ويعرفون كيف يزرعون الأمل لدى مَن يشعرون بالاغتراب والإحباط.. ولترشيح مثل هؤلاء، يجب على كبار السنّ إفساح المجال لهم.
قد يكون من الصعب على السياسيين المخضرمين، الذين اعتادوا على امتيازات المنصب، أن يتخلّوا عنها. وفي تقرير نشرته مجلة «نيويورك» مؤخراً حول شيخوخة القيادات الديمقراطية، نقلت الكاتبة «ريبيكا ترايستر» عن المستشارة السياسية «جين بلوستاين» قولَها: «كثيرون منهم لا يستطيعون تخيّل حياة لا يكونون فيها محاطين بالموظفين ومركز الاهتمام طوال الوقت». لكن بيلوسي أظهرت استعداداً أكبر من غيرها لتجاوز غرورها من أجل الصالح العام. ومن القصص المفضلة عن بيلوسي ما ورد في سيرة الصحفية «مولي بول» الصادرة عام 2020 بعنوان «بيلوسي». ففي عام 2005، عقد النائب «جاك مورثا»، وهو ديمقراطي محافظ من بنسلفانيا وضابط سابق في المارينز، مؤتمراً صحفياً ليعلن معارضتَه حربَ العراق التي كان قد دعمها في البداية. قال مورثا حينها: «جيشنا يعاني، ومستقبل بلدنا في خطر». وشكّل ذلك نقطة تحوّل في الرأي العام تجاه الحرب. ومع صعود مورثا كوجه بارز في معارضة الحرب، تعرّضت بيلوسي لانتقادات شديدة لعدم ظهورها إلى جانبه. حتى إن برنامج «ساترداي نايت لايف» قدّم مشهداً هزلياً يصوّر جبنها! لكن كل ذلك كان جزءاً من خطتها، إذ كتبت بول أن «بيلوسي ومورثا نسّقا الأمرَ بالكامل»، واتفقا على أن «يبدو الأمر وكأنه حملة فردية يقودها مورثا وحده». تلك إحدى أسرار عظمتها: فهي شديدة الحساسية تجاه الرأي العام في السياسة، لكنها غير مكترثة على نحو لافت بالرأي العام تجاه شخصها.
والآن، وكما تعلم بيلوسي بالتأكيد، انقلب الحزب الديمقراطي، الخائف والغاضب، على مؤسسته. ففي استطلاع أجراه مركز «بيو» في سبتمبر الماضي، عبّر 59% من الناخبين الميالين للديمقراطيين عن عدم رضاهم عن قيادة حزبهم في الكونجرس. هناك توق شديد إلى أصوات جديدة. وهكذا، مرة أخرى، تواكب بيلوسي اللحظةَ.
لم تذكر بيلوسي في فيديو وداعها مسألةَ العمر صراحةً، لكنها ألمحت إليها. ففي خطابها إلى مدينتها الحبيبة سان فرانسيسكو، قالت: «هناك سبب يجعل مدينتَنا مرادفاً للمستقبل دائماً. هنا، لا نخاف المستقبل، بل نصنعه». وينطبق الأمر نفسه على الحزب الديمقراطي. لقد أدركت بيلوسي ذلك واتخذت قرارَها الشجاع بالتقاعد، لذا فهي تستحق امتناننا.
*صحفية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»