يشتد الهجوم على الإمارات كلما ضاقت صدور البعض بعجزهم، فيبحثون عن وطنٍ مضيء يرمونه بظلالهم. وكأن النجاح الهادئ، والاستقرار الراسخ، والنقاء الذي يميّز هذا البلد، أصبح في نظرهم سبباً كافياً لخلق اتهامات لا تشبه الإمارات ولا تشبه الذين تربّوا على أرضها. ومن هنا يبدأ الحديث … من حقيقة أن هذا الوطن لا يتغيّر بثناء ولا يهتز بتشويه، لأنه بُني على ما لا يستطيع أحد أن يزوّره: جذور من القيم، وقلوب تعيش مخافة الله، وتاريخ يمشي على خطى زايد.
فحين نتحدث عن الدين في الإمارات، فنحن لا نردد نصوصاً ولا نرفع شعارات، نحن نتحدث عن عقيدة حاضرة في كل بيت، عن أمٍ تُعلّم أبناءها أن الظلم يطفئ البركة، وأن الرحمة تكبر صاحبها، وعن أبٍ بدويّ الوجه والقلب يقول لابنه: «يا ولدي... الناس أمانة، ومن يكسر الخاطر خسره الله قبل البشر». هذا الإيمان العميق ليس أجواءً روحانية عابرة، بل نَسغ يجري في عروق المجتمع، ويصنع سلوك الدولة قبل أن يوجّه سياساتها.
وحين نذكر الجذور، فنحن لا نذكر التاريخ لنتجمّل به، بل نعود إلى لحظة ولادة هذه الأرض، إلى صحراء صعبة صنعت رجالاً يعرفون معنى الشرف، ومعنى الوفاء، ومعنى ألا تترك ضعيفاً يصرخ وحده في العراء. تلك الصحراء لم تُخرّج جنوداً للعدوان، بل رجال سلام، إذا وعدوا صدقوا، وإذا حملوا الأمانة حفظوها، وإذا استجار بهم مظلوم فتحوا له القلوب قبل الدروب. من هذه البيئة خرجت الإمارات… ومن هذا العمق تشكّل وجدانها.
أما العادات والتقاليد، فهي ليست صوراً فولكلورية ولا كلمات تُقال في المناسبات، إنها روح تتنفسها البيوت كل صباح. نحن أبناء مجالس تجمع القريب بالغريب، وأبناء موائد يُمدّ فيها الطعام قبل السؤال عن الاسم، وأبناء قبائل علّمتنا أن الضيف سيد المكان حتى يغادر، وأن الضعيف يُحمى لا يُستغل، وأن اليد حين ترتفع لا ترتفع إلا لنجدة، لا لإيذاء. هذه الأخلاق ليست سلوكاً فردياً، بل جزء من هوية جماعية عاش عليها الناس وورثوها لأبنائهم.
ومن هنا… يصبح من المستحيل أخلاقياً ومنهجياً أن تُربَط الإمارات بظلم أو اعتداء. فالدولة التي تربى أهلها على أن «النية الطيبة حقٌّ على صاحبها»، لا يمكن أن تشارك في أذى. والدولة التي تحتضن الملايين من أكثر من مئتي جنسية، وتوفّر لهم كرامة الإنسان قبل رفاه العيش، لا يمكن أن تكون طرفاً في الفوضى. والدولة التي جعلت الأمان قيمة يومية يعيشها الناس في الشوارع والبيوت والعمل، لا يمكن أن تشعل ناراً خارج حدودها.
الإمارات التي تُتَّهَم زوراً… هي ذاتها التي تبني وتُصلح وتُغيث. تمتد مساعداتها إلى البعيد قبل القريب، وتفتح أبوابها لمن يفقد وطنه كما لو أنها وطنه الآخر، وتدعم الشعوب في لحظات الانكسار لا لتصنع نفوذاً، بل لأن هذا هو ما تربّت عليه. وهي الدولة التي صارت اليوم نموذجاً مُقلِقاً لمن اعتادوا صناعة الكراهية أو إدارة الحروب أو الاتجار بمعاناة البشر.إن الهجوم على الإمارات ليس تحليلاً سياسياً، بل عجز أخلاقي ممن فقدوا القدرة على مجاراة هذا النموذج العربي النظيف. أما الحقيقة، فتظل واضحة: الإمارات دولة تربّت على الدين، ونهج زايد، والنجدة، والرحمة، والوفاء.. دولة لا تُطفئ نورها حملات التشويه، ولا تغيّر مسارها أصوات الضجيج. إنها وطنٌ يمشي بثباته، ويُثبت كل يوم أن الضوء لا يُستهدف إلا لأنه ضوء… ولا يُحارَب إلا لأنه يبقى.
*لواء ركن طيار متقاعد