إطلاق استراتيجية الهوية الوطنية، يدشن مرحلة جديدة من العمل الوطني، هدفها تحويل الهوية إلى مشروع وطني متكامل، وتتضمن برامج عملية تُنفَّذ داخل الفصل الدراسي، وفي الأنشطة اللاصفية، وفي المحتوى الإعلامي، وفي منهجية تناول التاريخ والجغرافيا، وصولاً إلى الممارسات داخل الفضاء الرقمي.
.. تدرك دولة الإمارات العربية المتحدة أن الهوية الوطنية ليست مجرد موروث تاريخي، بل منظومة حيّة متجددة، تنعكس في قيم المجتمع وثقافته، وتستجيب للتطورات الحديثة، وتربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، لتشكل قاعدة متينة للتلاحم الاجتماعي، وهذه الرؤية تجعل من الهوية الوطنية قوة فاعلة في صياغة المستقبل، وبناء مشروع وطني يعكس طموحات الأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، جاء إطلاق استراتيجية الهوية الوطنية التي طُوِّرت بالشراكة بين وزارة الثقافة ومكتب المشاريع الوطنية في ديوان الرئاسة، وذلك خلال الاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات 2025، التي حضرها أكثر من 500 من القيادات الحكومية، وتم تطوير الاستراتيجية بالتنسيق مع أكثر من 40 جهة اتحادية ومحلية من مختلف القطاعات، ومن خلال العديد من ورش العمل وجلسات العصف الذهني التي أسهمت في الوصول لتعريف موحّد للهوية الوطنية.
وفي جوهرها، تستند هذه الاستراتيجية على ركائز أساسية تعكس الطابع الحقيقي للشخصية الوطنية، وتتمثل في: مكارم الأخلاق الإسلامية، واللغة العربية واللهجة الإماراتية، وروح الاتحاد، والتراث والعادات والتقاليد، والتاريخ والجغرافيا والذاكرة المشتركة، إضافة إلى الأسرة التي تُعد محوراً أساسياً في نقل القيم وترسيخ الانتماء.
ولا تقتصر هذه الركائز على تحديد هوية المواطن فحسب، بل تعكس أيضاً مفهوم الحياة في دولة الإمارات، ومن هذا المنطلق، اتسعت الرؤية لتشمل المقيمين، باعتبارهم شركاء فاعلين في تعزيز أسس المجتمع المتماسك، الذي يقوم على قيم الاحترام والتعايش والتعاون، ويتحمل فيه الجميع المسؤولية المشتركة. ويجسد هذا النهج فلسفة الإمارات في بناء مجتمع موحد، ومتنوع، ومترابط، وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
ولا شك في أن القيم التي ترسيها هذه الاستراتيجية، وتتمثل في الاحترام والتواضع، والطموح والمثابرة، والانتماء والمسؤولية، والتلاحم والتعايش، والعطاء والإنسانية في خدمة المجتمع ودعم الآخرين دون تمييز، تُعد امتداداً طبيعياً للنموذج الإنساني والتنموي الذي تتبناه الإمارات. ويسهم هذا النهج في تعزيز مكانتها الدولية، ويدعم تقدمها في مؤشرات عالمية متعددة، بما في ذلك مؤشر القوة الناعمة، مؤكداً ريادتها ونهجها الخاص في بناء مجتمع متوازن ومؤثر.
وفي هذا السياق، يتجلّى هذا المعنى بوضوح في المبادرات الـ13 المُدرجة ضمن الاستراتيجية الجديدة، والتي تمتد عبر مجالات متعددة تشمل اللغة والثقافة والتعليم والأسرة والمجتمع والإعلام والسياحة، والهدف الرئيسي هنا، يتمثل في إعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومحيطه، وترسيخ القيم الوطنية في سلوك يومي قادر على التكيّف والصمود أمام تحولات العصر. وهذا أهم ما يميز رؤية دولة الإمارات، التي لا تتعامل مع الهوية بوصفها معادلة صراع بين الماضي والمستقبل، بل باعتبارها مساحة تلاقي وانسجام بينهما.
ومما لا شكّ فيه أن هذه الاستراتيجية تنطلق من وعيٍ عميقٍ بأن الهوية لا تُفرَض ولا تُلقَّن، بل تُبنى عبر تراكم التجارب، ومن هذا المنطلق، جاءت الاستراتيجية في صورة برامج عملية تُنفَّذ داخل الفصل الدراسي، وفي الأنشطة اللاصفية، وفي المحتوى الإعلامي، وفي منهجية تناول التاريخ والجغرافيا، وصولاً إلى الممارسات داخل الفضاء الرقمي.
وفي الواقع، فإن التلاحم المجتمعي لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل يتجاوزها إلى ما يحمله الأفراد من مشاعر صادقة تجاه وطنهم، وما يمتلكونه من وعي بتاريخهم وتراثهم. فالقيم الوطنية، والانتماء الحقيقي، والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع، هي الأساس في بناء مجتمع قادر على مواجهة التحديات، وتعزيز الوحدة والتضامن، والحفاظ على الهوية الوطنية التي تمثل جسر المستقبل للأجيال القادمة.
إن إطلاق استراتيجية الهوية الوطنية، يدشن مرحلة جديدة من العمل الوطني، هدفها تحويل الهوية إلى مشروع وطني متكامل، وتبدو الأهمية الخاصة لهذه الاستراتيجية مُضاعفة في ظل ما يشهده العالم من تحديات غير مسبوقة، بدءاً من التسارع الهائل في التحول الرقمي، مروراً بانفتاح الثقافات على بعضها البعض، وصولاً إلى تلاشي الحدود التقليدية بين المحلي والعالمي. وفي خِضَم هذه المتغيرات، لم تعد الهوية ترفاً ثقافياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تضمن صلابة المجتمع، وتمكّنه من بناء مستقبل أكثر تماسكاً وازدهاراً.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.