أن تحتل أحد مقاعد قيادة أحدث تيارات الدبلوماسية التي تُسهم بقوة في إعادة تشكيل العلاقات الدولية، فهذا هدف حيوي خططنا له بدقة في مركز «تريندز»، حيث أدركنا مبكراً أن دبلوماسية التكنولوجيا ترتبط بشكل وثيق باهتمام دولة الإمارات بقطاع التكنولوجيا بكل تجلياته، كونها تُسهم في بناء الجسور بين الخطط والسياسات من ناحية، وبين صناعة التكنولوجيا من ناحية ثانية.
لذلك فقد عقدنا الحوار الاستراتيجي الثاني حول الذكاء الاصطناعي في أبوظبي مؤخراً، بعنوان «الدبلوماسية التكنولوجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا»، بمشاركة مجلس الأمن السيبراني الإماراتي، وأبرز مراكز الفكر حول العالم، وشركات مثل «جوجل» و«أوبن إيه آي»، وكذلك مع جامعات مرموقة في هذا المجال مثل جامعة خليفة وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة نيويورك أبوظبي، وعمالقة التكنولوجيا والجامعات الأبرز عالمياً؛ لمناقشة الدور المتنامي للتكنولوجيا في إعادة تشكيل ملامح الدبلوماسية، والتحالفات الاستراتيجية، والاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تُسهم النقاشات في فهم الروابط والتفاعلات الجديدة بين التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، وحيث تتحول التكنولوجيا إلى قاطرة تقود هياكل العلاقات الدولية المستقبلية، كونها أداةً من أقوى أدوات القوة الناعمة الحديثة تأثيراً وفاعلية، بحكم تغلغلها وتأثيرها المتزايد في بقية روافد ومكونات قوة الدول والمجتمعات.
وقد تناولت جلسات المؤتمر الثاني نقاشاتٍ ثرية حول البُعد التكنولوجي في العلاقات الأميركية-الخليجية، والأبعاد الجيوسياسية للذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن لهذه التقنيات أن تؤثر على الاستقرار الإقليمي، والأمن السيبراني، وحقوق السيادة الرقمية للدول. وكذلك تأثير الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية في إعادة هيكلة القوة الناعمة، من خلال تمكين أشكال جديدة من التواصل الدبلوماسي والتعاون العابر للحدود.
ومثل هذه النقاشات لا تقتصر بطبيعة الحال على الفرص، بل تتطرق كذلك إلى التحديات المعقدة المحتملة في هذا القطاع الواعد، بدءاً من حماية البيانات، مروراً بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وانتهاءً بتأثيرات هذه التقنيات على الأسواق والعمل في المستقبل، حيث لا سبيل إلى بناء فهم عميق لهذه التحولات سوى من خلال الحوار، وتحليل السياسات والتوجهات الحالية والمستقبلية، وتبادل الخبرات والرؤى في إطار تعاون دولي فاعل ومستدام، وصولاً إلى تبني حوكمة شاملة للذكاء الاصطناعي تقوم على الحماية والابتكار والشراكة.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي يحمل لنا جميعاً الكثير من الوعود التنموية السخية، وكل جهد نبذله على صعيد دبلوماسية التكنولوجيا يَصُبُّ في خانة تعزيز الدور الريادي لدولة الإمارات في المجال السيبراني والتقني، ويُعزز الإسهام الفاعل فيما وصفه بعض المشاركين باللحظة المفصلية التي تعيشها المنطقة، حيث باتت التكنولوجيا -والذكاء الاصطناعي تحديداً- في قلب استراتيجيات التنويع الاقتصادي. وفي ظل تحول التكنولوجيا إلى أداة للنفوذ والتنمية، فإن كل ذلك يمثل دعامة مهمة تثري تجربة دولة الإمارات الرائدة في الذكاء الاصطناعي، والتي تشكل بدورها نموذجاً متوازناً يجمع بين القدرات السيادية والشراكات العالمية.
ولا شك أن التطور المتسارع في قطاع الذكاء الاصطناعي ينتج مخاطر وفرصاً تتطور بالوتيرة ذاتها، ولعل ما نراه من نفوذ كوني مطّرد لمنصات التكنولوجيا -العابرة للجغرافيا والهويات والسيادة الوطنية للدول- يطرح أمامنا نموذجاً معرفياً، هذا النموذج يبرهن على أهمية الحوار في بيئة علاقات دولية باتت تتأثر بشكل مباشر بالاتجاهات الناشئة عن التطور الرقمي، حيث بات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وحوكمة البيانات والتجارة الإلكترونية مؤثرات رئيسية في العلاقات الدولية. ومن هنا يزداد حرصنا في «تريندز» على مواصلة دورنا الحيوي في فهم التغيرات المستقبلية، واستشراف الفرص والمخاطر، وبناء مدركات تُسهم في رسم الخطط والسياسات الاستراتيجية، وتعزيز مسيرة التنمية المستدامة في دولة الإمارات والمنطقة والعالم.
*الرئيس التنفيذي - مركز تريندز للبحوث والاستشارات.