كتب توفيق السيف، السبت 8 نوفمبر، مقالة بعنوان «ماذا يفعل السياسيون؟»، وأوردَ كلاماً مهمّاً عن السياسة من منظور المفكر الألماني الكبير «ماكس فيبر»، وهو بحقٍ فيلسوفٌ جديرٌ بالعناية بتراثه وفكره والجدل حول طروحاته ونظرياته ورؤيته للعديد من المجالات السياسية والدينية والاجتماعية.
وفي مقالة لكاتب هذه السطور، نُشرت في أبريل 2022 بعنوان «السلفية والبروتستانتية» جاء فيها: «إن مَن يقرأ كتُبَ ماكس فيبر وأفكارَه يجد تشابهاً للمواضيع التي يعالجها بتحديات المسلمين المعاصرة، ولهذا يولَع الباحثون الجادون باستحضار خطابه.. وبالإمكان تبنِّي مشروعٍ لدراسة فلسفته وأفكاره وتطبيقها على التراث الإسلامي، بحكم التشابه الكبير، وهو ما قد يثير جدلاً مستحقاً في الاتجاه الصحيح». كان هذا الكلام معبراً عن جدلٍ مع أحد الأصدقاء المثقفين حول أهمية ماكس فيبر في السياق الحضاري العربي والإسلامي، والسعودي تحديداً وقتها، وكان هو -رحمه الله - رافضاً للفكرة، لمبرراتٍ وجيهةٍ سردها، وكنتُ ولا زلت مؤيداً لها، وبالإمكان إعادة إحياء تلك الفكرة والعمل عليها لو توفرت الرغبة الحقيقية في إجراء تغييرات عميقةٍ في الثقافة والمجتمع، لا مجرد شكلياتٍ تذهب بها رياح الواقع وتأتي ولا تعبّر إلا عن معنى «الزخم» اللحظي. في عام 2013 كتب كاتب هذه السطور مقالةً بعنوان «السلفية العلمانية»، وهي رصدٌ لإمكاناتٍ «مدنيةٍ» تحتوي عليها «السلفية» بعكس «الإسلام السياسي»، جماعاتٍ ورموزاً، مثل الموقف من علاقة الدين بالسياسة، وما كتبه السلفي محمد إبراهيم شقرة (تلميذ الألباني) حين قال: «أحسب أن مقولة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) كلمة حكيمة تصلح لزماننا». ومثله رفض شيخه الألباني الخلطَ بين العلم والدين وقال: «هذا أقرب إلى الهزء بالقرآن منه إلى إظهار أن في القرآن معجزات علمية»، وكذلك ابن عثيمين حين قال: «أنا أحذّر غايةَ التحذير من التسرع في تفسير القرآن بهذه الأمور العلمية»، وهذا عكس تنظيرات الإسلام السياسي.
يوصف «الحنابلة» بالتشدّد، ولكن عند التدقيق تجد لديهم آراء أكثر انفتاحاً وخدمةً للعصر من غيرهم، فأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي له آراء تستحق البناء عليها، ونجم الدين الطوفي الحنبلي كان يرى تقديمَ المصلحة على النَّص، وابن تيمية له اجتهاداتٌ متقدمةٌ على عصره.. وإنما حصرتُ الحديث عنهم هنا لرصد المفارقات التي يمكن الإفادة منها. قرأتُ في عام 2015 كتاباً صغيراً عن فيبر، كتبه لوران فلوي وترجمه الدكتور محمد علي مقلد، وصدر في 2008، ومترجمه هو نفسه مترجم كتاب فيبر الأكثر أهميةً «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية».
في ذلك الكتاب الصغير عرضٌ رائعٌ ومتماسكٌ، جمع بين الاستيعاب وحسن الاختصار والعرض. ولنأخذ مثالاً فكرة فيبر عن «الأديان شأن دنيوي»، حيث يبين أن الدين «صيغةٌ من صيغ النشاط الاجتماعي»، فهو لا يتحدث عن الدين بمعنى الحق والباطل، بل بمعنى أنه مؤثرٌ اجتماعيٌ مهمٌ. ويضيف «فلوي» في كتابه الصغير الماتع قائلاً: «هكذا تشكّل الأديان إذن منطلقاً، وهي لا تدرس لذاتها، بل في علاقتها بالممارسات اليومية، فيحدّدها بوصفها شأناً دنيوياً لأنه يرى فيها شكلاً خاصاً من النشاط داخل الجماعة، ويعتبرها نظاماً من القيم متداخلاً في الممارسات».
واستكمالاً لجزء صغيرٍ جداً من طروحات فيبر في هذا السياق، يقول فلوي: «الدين في رأيه ينتج الإيتوس، أي أنظمة التصرفات التي تطبع بطابعها توجّهاً في السلوك الحياتي له معنى خاص.. لقد تكوّن مع مرور الوقت النموذج البروتستانتي للإنسان الصلب القاسي الحزين المحتشم». وأخيراً، فسنعرض في مقالٍ قادمٍ لما تحدّث عنه في محاضرته «العلم والسياسة بوصفهما حرفةً»، لأن عرض أفكاره مناسبٌ للحظتنا التاريخية وسياقنا الحضاري المعاصر.
*كاتب سعودي