لا يمكن قراءة المأساة السودانية من دون التوقّف عند سؤالين أساسيين: كيف نفهم جذور الانهيار الداخلي؟ وكيف نتعامل معه من موقع الدولة، لا من موقع المتفرج أو المزايد؟ اختارت دولة الإمارات أن تبني موقفها على ركائز حقيقية يمكن تلخيصها في جملة: الإنسان أولاً لا السلاح، السلام لا الحسم الوهمي، والدولة المدنية لا حكم الجنرالات و«الإخوان».
في جلسة مجلس حقوق الإنسان في جنيف المخصّصة لحالة حقوق الإنسان في الفاشر وما حولها، كانت رسالة الإمارات ثابتة. لا حل عسكرياً لهذه الحرب الأهلية، بل هدنة إنسانية تُفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم انتقال إلى حكومة مستقلة بقيادة مدنية لا تخضع لسيطرة الأطراف المتحاربة، بقراءة واقعية للصراع. سودان مختطف منذ 1989 بمشروع «إخواني»، ومؤسسة عسكرية تحوّلت إلى حاضنة أيديولوجية و«مصنع» ينتج جيوشاً متنافسة من دارفور إلى الخرطوم.
أول أركان المقاربة الإماراتية هو الإنسان قبل الاصطفاف. منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم تتعامل الإمارات مع السودان كملف جيوسياسي، بل ككارثة إنسانية مفتوحة. جسر جوي من المساعدات، مستشفيات ميدانية، قوافل غذائية، في سجلٍّ تجاوز أربعة مليارات دولار من المساعدات للسودانيين خلال العقد الأخير. وكان الاقتصاد أداةً لحماية دورة الحياة الأساسية، استوعبت الإمارات النسبة الكبرى من صادرات السودان، في فصل واعٍ بين الخلاف السياسي وبين الالتزام بدعم لقمة عيش المواطن السوداني.
الركن الثاني في المقاربة الإماراتية، هو الشرعية القانونية في مواجهة فوضى الاتهامات. فبينما تنهمك غرف الدعاية «الإخوانية» في نسج روايات التضليل والسّرديات الرقمية الكاذبة، كشفت المنصات القضائية والإعلامية هشاشة هذه الروايات، سقطت الدعوى التي رُفعت ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية لغياب الأسس القانونية.
قضية العتاد العسكري للسودان كانت رسالة سياسية وقانونية، نيابة أمن الدولة في الإمارات كشفت تفاصيل الخليّة المتورِّطة وارتباطها بسلطة بورتسودان عبر لجنة التسليح العسكري، في تأكيد أن الدولة ليست معبراً للنزاعات ولا ممراً لمهربي السلاح، وأن حماية أمن الإمارات وأمن المدنيين خط أحمر لا يخضع للمساومة. هنا يتضح الفارق بين دولة تدير الاتهامات عبر تحقيقات رسمية وأحكام قابلة للتدقيق، ومنظومة سياسية تهرب من مسؤوليتها عن الحرب بتصنيع الأكاذيب وتدويرها في منصات التواصل. الركن الثالث هو العقل السياسي في هندسة المخرج عبر «الآلية الرباعية» التي تدفع فيها الدبلوماسية الإماراتية نحو انتقال مدني حقيقي يضمن عدم إعادة تدوير منظومات الخراب. وهو امتداد لرؤية إماراتية واقعية. لا شرعية للحلول العسكرية طويلة الأمد، ولا استقرار مع دولة تُدار بستار أيديولوجي، ولا أمن حقيقي من دون جيش مهني يخضع لسلطة مدنية.
هنا يمكن فهم لماذا تُستهدف الإمارات بحملات ممنهجة ومضلِّلة. فـ«الإخوان» في السودان يحتاجون إلى «عدو خارجي» يحمّلون عليه فشلهم التاريخي في بناء الدولة. والإمارات بنموذجها المتفوق من اتحاد ناجح، واقتصاد متنوع، وتعايش لأكثر من مئتي جنسية، وموقف حازم من الجماعات الأيديولوجية، تتحول في وعيهم إلى مرآة قاسية تكشف خواء مشروعهم، وكلما تقدّمتْ في بناء نموذج دولة عصرية مستقرة، ارتفع ضجيج خطابهم الاتهامي.
ما يغفله هؤلاء أن المعركة الحقيقية ليست بين الإمارات وأحد، بل بين مشروعيْن. مشروع يستخدم الدين والهوية والدم لتثبيت سُلطة مغلقة، ومشروع يرى أن السياسة في جوهرها خدمة للإنسان وحماية للدولة الوطنية من العبث الأيديولوجي. وما سيبقى في ذاكرة السودانيين هو من أرسل الغذاء لا الشعار، ومن بنى جسور الإغاثة لا جسور التخوين، ومن رأى في السودان شعباً يستحق السلام، لا ساحةً لتصفية حسابات أيديولوجية.
كاتب إماراتي