في 12 من الشهر الجاري أعلن مكتب الرئيس الإسرائيلي أنه تلقّى رسالة من الرئيس الأميركي يطلب فيها العفو عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يُحاكم بثلاث تُهم فساد. وكان قد سبق لترامب أن أثار الأمرَ الشهرَ الماضي في خطابه أمام الكنيست، عندما قال: «لدي فكرة سيادة الرئيس. لماذا لا تعفو عنه؟». وفي حينه ظنّ البعض أنها ربما تكون فكرة عابرة من وحي الخاطر، غير أن ترجمتها لاحقاً في رسالة رسمية جعلت من طلب ترامب قضيةً ثار حولها جدلٌ سياسي داخلي واسع اتّسم بالاستقطاب بين مؤيدين للطلب، وبالذات من غلاة اليمين المتطرف المنضمين لائتلافه الحكومي، ومعارضين له على أساس أنه تدخلٌ سافر في الشؤون الداخلية.
 والطريف في الأمر أن ترامب في رسالته أشار إلى أن العفو سيكون خطوةً مهمةً لتوحيد إسرائيل بعد سنوات صعبة، بينما كان العكس تماماً هو ما حدث. فمن المعروف أن إسرائيل شهدت في سياق المواجهات العسكرية التي نشبت اعتباراً من 7 أكتوبر 2023 انقساماً داخلياً متزايداً حول مسؤولية ما جرى في ذلك اليوم أولاً، ثم حول الكيفية التي أُديرت بها الحرب ثانياً، وحول وقفها أو الاستمرار فيها ثالثاً. وكان لافتاً أن الانقسام قد تجاوز كونه انقساماً داخل الرأي العام عموماً، إلى أن تبلور ليصبح انقساماً بين المؤسستين الأمنية والعسكرية من جانب، والمؤسسة السياسية - أي الحكومة - من جانب آخر. ولذلك أعرب ترامب عن أمله في أن تؤدي الاستجابة لطلبه إلى توحيد إسرائيل، بينما كان العكس تماماً هو ما حدث.
 وكان غريباً أن يبدو ترامب ومستشاروه غير مُلمِّين بتفاصيل نظام الحكم في إسرائيل، وربما لهذا السبب علّق الرئيس الإسرائيلي فوراً على طلب ترامب بأن مَن يرغب في العفو عليه تقديم طلب رسمي وفقاً للقواعد. وهو ما أكده بدوره زعيم المعارضة يائير لابيد الذي أضاف لذلك أن الشرط الأول للحصول على العفو هو الاعتراف بالذنب، والتعبير عن الندم على ما ارتُكِب من أفعال، وهذا ما أكد نتنياهو استحالةَ قيامه به. كذلك أضافت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن قرار العفو لا يصدر إلا قبل بدء الإجراءات، أو بعد النطق بالحكم. 
ومن ناحية أخرى، كان غريباً كذلك ألا يكون ترامب ومستشاروه على دراية حقيقية بحالة الاستقطاب السياسي داخل إسرائيل بين الائتلاف الحكومي ومعارضيه، والتي كان من الطبيعي أن تنعكس على استقبال دعوة ترامب الرسمية للعفو عن نتنياهو. فبينما رحب أقطابُ اليمين المتطرف، مثل بن جفير وسموتريتش، بدعوة ترامب، وجدت فيها المعارضةُ تدخلًا سافراً في الشؤون الداخلية وتقويضاً للنظام القضائي، وامتداداً لسوابق إملاء ترامب على إسرائيل خطته لإنهاء الحرب. حتى إن بعض المعارضين اتهموا نتنياهو بأنه حوّل إسرائيل إلى «جمهورية موز» أو ولاية أميركية على أحسن الفروض. 
 وإذا كانت هذه الاتهامات قد حدثت في مسألة دولية بطبيعتها، فما بالنا بتدخُّل ترامب في أدق تفاصيل المعادلة السياسة الداخلية؟ الحقيقة أن الواقعة بأكملها تَطرح علامات استفهام حقيقية حول آليات اتخاذ القرارات في الإدارة الأميركية الحالية، وهل يمكن أن يتكرر نفسُ النموذج، أي اتخاذ قرارات غير مبنية على معرفة بالواقع، في قضايا أخرى يمكن أن تتسبب القراراتُ حولها في كوارث حقيقية؟
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة