ليس هناك جريمة عصية على الحل، لكن الحل الأمني الأحادي لا يجدي فتيلا، بل يشعل فتائل «الفوضى الخلاقة» لولادة جرائم لم نسمع عنها من قبل. فمَن باع نفسَه وسلّمها للإرهاب، لا يملك شيئاً كي يضيّعه. لكن العالم المتحضر لا يمكن أن يظل أسيراً أو رهينة لأي فكر إرهابي. وكما نعلم فتاريخ الإرهاب يعود إلى آلاف السنين قبل الآن عندما كان الناس يقتلون بأيدي العصابات، فاستطاعت القوانين وضع حد لممارساتهم.. ليس بقتلهم عشوائياً، كما يفعلون، بل بجرهم إلى ساحات العدالة بحيث يشارك المجتمع في استئصالهم وليس القانون وحده. وهذا هو دور الحوار، وهو الجزء الأصعب، لكن لا بد منه لقتل فكر الإرهاب قبل التخلص ممن يمارسه.
ويتبع ذلك، نشر التسامح والمحبة بين الجميع، لأن الدين لله، ولا يستطيع أحد أن يحتكر هذا الأمر، فالحوار بين الأديان ذو أهمية بالغة، لأنه يهدف إلى وقف التجاذبات الحادة بين المفكرين الدينيين وطرحها في مؤتمرات وندوات بحضور ممثلين عن الأديان للتوصل إلى صيغة مشتركة تعزّز التعايش بين أتباع الديانات.
عادة يجري الحوار بين المختلفين على المسائل الجوهرية وليس التفصيلية، فيسعون للتوصل إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف، بينما لا يوجد اختلاف جوهري بين الأديان، لا سيّما في الموضوع المركزي والقاعدة الأساسية والركيزة الأهم. فالأديان السماوية الثلاثة تؤمن بوحدانية الله تعالى، أي أن هناك إلهاً واحداً لهذا الكون، وهي تتفق على ذلك، وتجري حواراتها في هذا الإطار أيضاً. وقد أرسل الله رسلَه وأنبياءَه للتبشير بالإله الواحد الأحد، وتكاد جميع الأديان أن تتفق على القيم والأخلاق ذاتها، وقد يكون الاختلاف في كيفية عبادة الإله، وطرق الصلاة والصوم والزكاة وعمل الخير وغيرها، وهنا أيضاً يجب ألا يحدث الاختلاف طالما أن المعبود واحد.
وتكمن الخطورة في طرح موضوع حوار الأديان في التفاصيل، وهذه لا يمكن الاتفاق عليها، لأنها ستقود إلى العمل السياسي وليس الديني، أي إلى الدخول في المذاهب والطرق والطوائف، وعندها يتحول الحوار إلى الشخصنة بعيداًَ عن الأساس الديني المشترك. وفي عصرنا الحديث تم تجيير وتوظيف تلك التفاصيل سياسياً بغية الوصول إلى أهداف لا علاقة لها بالدين ولا بمصالح الأوطان، بل بمصالح دنيوية، وإنْ رُفعت من أجلها شعارات دينية!
أعتقد أن هناك محوراً مهماً هو كذلك، ألا وهو الحوار بين المذاهب المنبثقة عن كل دين، فإن نجح هذا الحوار فسيُكتب لحوار الأديان النجاح أيضاً، لأن أصحاب المذاهب حولوها إلى «أديان» لتحقيق المزيد من الانعزال في إطار ما يسمونه وحدة المذهب أو الطائفة، وبعد حين ستطالب هذه المذاهب بالاستقلال.
إذا نجح الإنسان في خلق صيغة للتعايش مع الآخر فإنه يكون قد نفذ تعاليم الدين الحقيقية. فالحوار بين المختلفين، لم يعد مطلباً فردياً، بل بات مطلباً عالمياً، وقد أقرت منظمةُ الأمم المتحدة ذلك، حيث قامت باعتماد العام 2001، عاماً لحوار الحضارات. وهو ما يناسب الوضع في هذا العصر حيث أصبح العالم «معولماً». وبعبارة أخرى فقد أصبح قريةً صغيرةً، في ظل النهضة الفكرية والعلمية الشاملة وتطور وازدهار الصناعة والتكنولوجيا التي أصبحت في متناول الجميع. وذلك بقصد التقارب والتعايش بين الشعوب على اختلاف أجناسها وثقافاتها ومعتقداتها الدينية وقومياتها العرقية.
*كاتب إماراتي