في وقت سابق من هذا العام، انتهج الرئيس دونالد ترامب نهجاً خاصاً في التعامل مع التجارة العالمية، حيث فرض رسوماً جمركية على كل دولة وكل منتج، دون اكتراث بالأضرار الجانبية المحتملة. وقد أطلقت الإدارة هذه السياسة في ظل حالة طوارئ «أمنية قومية»، وغطت نطاقاً واسعاً لدرجة أنها شملت القهوةَ وألعابَ عيد الميلاد وأحذية الجري.. فما الذي قد يحدث؟
الآن، وفي مفاجأة مذهلة، اضطرت واشنطن إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الأصلية، لكن فقط بعد أن أدركت أن «الجمهوريين» بدؤوا يدفعون ثمناً سياسياً لهذه الخطط التي يعتبرها كثير من الأميركيين متهورةً. ففي أمر صدر الأسبوع الماضي، خفّض ترامب الرسومَ الجمركيةَ على المنتجات الزراعية، مثل لحوم البقر والطماطم وحبوب القهوة، وكلها مشمولة سابقاً في قرار الرسوم الجمركية. ومن المتوقع أن يأتي هذا التحرك فوراً بعد انتخابات أظهرت أن «الديمقراطيين» هزَموا «الجمهوريين» في انتخابات حكّام الولايات، والتي دارت جزئياً حول مخاوف الناخبين بشأن القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة.
يعد التراجع عن الرسوم الزراعية خطوة أولى منطقية للاعتراف بأن سياسة الرسوم كانت ضارةً منذ البداية، لكنها خطوة غير كافية إطلاقاً. فكّر في ما حدث للتضخم في الولايات المتحدة منذ دخول رسوم ترامب الجمركية في «يوم التحرير» حيّزَ التنفيذ. بشكل عام، يبلغ معدل التضخم السنوي الآن نحو 3%، ارتفاعاً مِن 2.4% في مارس. ويُعزى حوالي نصف هذا الارتفاع إلى اتجاهات السلع الأساسية، مثل الأثاث المنزلي، والمركبات، وقطع غيار السيارات.. إلخ. وهو أوضح دليل على تأثير سياسات ترامب الاقتصادية على ميزانيات الأميركيين، والتي قد تكون لها علاقة أكبر بطفرة مراكز البيانات منها بالتجارة. كما أن أسعار المواد الغذائية ترتفع أيضاً، لكن مساهمتها في ارتفاع التضخم بشكل عام ضئيلة. ومع ذلك، تُعتبر أسعار البقالة أكثر تأثيراً على معنويات المستهلكين مقارنةً بالعديد من المنتجات الأخرى.
ونظراً لتكرار زيارتنا للسوبرماركت وشرائنا سلة السلع نفسها غالباً، فنحن أكثر عرضةً لملاحظة ارتفاع الأسعار (مثل الزيادة المعدلة موسمياً بنسبة 15.3% في أسعار القهوة منذ تولي ترامب منصبه، أو الزيادة بنسبة 11.5% في أسعار لحوم البقر). كان من الواضح منذ البداية أن فرض رسوم على المنتجات الزراعية خطوة غير حكيمة سياسياً وضارة اقتصادياً. ويزداد ذلك وضوحاً مع دخول أشهُر الشتاء، حين يصبح العثور على البدائل «المحلية» أمراً أصعب فأصعب. قد لا يلاحظ المستهلكون حدوثَ ارتفاع فوري في سعر سلعة صناعية وسيطة تؤثر بشكل خفي على ديناميكية الاقتصاد الأميركي، لكنهم بالتأكيد يلاحظون تغيّر أسعار السلع الغذائية.
خذ القهوة، على سبيل المثال. تعد هاواي الولاية الوحيدة التي لديها عملياتُ زراعة قهوة كبيرة، أما بقية الإمدادات فتأتي من دول مثل البرازيل وكولومبيا. وتتطلب زراعة القهوة مناخات دافئة ورطبة وتربة بركانية غنية، وهي ظروف لا يتوفر معظمها في الولايات المتحدة. لم يكن هناك أي مستوى من الرسوم الجمركية قادراً على إعادة الإنتاج إلى الداخل الأميركي. وفي البرّ الرئيسي، قد تكون كاليفورنيا وفلوريدا بديلين محتملين يوماً ما، لكن ميزتهما التنافسية تكمن في شركات التكنولوجيا الناشئة وشقق الملايين، وليس في الزراعة ذات الربح المنخفض.
والطماطم مثال آخر على محصول منحته إدارة ترامب إعفاءً جمركياً، وفي التوقيت المناسب. فرغم أن «تفاح الحب» يُزرع في الولايات المتحدة خلال الصيف، فإن معظم الإمدادات الشتوية منه مستوردة، والحفاظ على رسوم مرتفعة خلال أشهر البرد كان استراتيجيةً ممتازةً لرفع أسعار السلَطة دون مساعدة أحد.
إن التراجع عن بعض الرسوم المفروضة على البِقالة أمر جيد، لكنه غير كافٍ لطمأنة المستهلكين الذين عاشوا مع تضخم واسع لمدة خمس سنوات تقريباً، وسيناضلون للحاق بالركب في ظل تباطؤ سوق العمل وتوقعات نمو الأجور الضعيفة.
لحسن الحظ، قد يكون هناك انفراج أوسع قادم. فقد استخدمت الإدارةُ قانونَ الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) لتنفيذ رسومها الشاملة، بحجة أن العجز التجاري يشكل حالةَ طوارئ للأمن القومي. وفي المحكمة العليا، حيث يجري النظر في قضية مرفوعة ضد شرعية الرسوم، بدا عددٌ من القضاة متشككين في هذا الطرح، من المحتمل أن تخسر الإدارةُ أداتَها الأوسع.
هذا لا يعني أن إدارة ترامب المُصممة لا تستطيع المضي قدماً في فرض الرسوم الجمركية بطريقة أخرى، ولكنها ستضطر لاتباع إجراءاتٍ أكثرَ صرامةً للقيام بذلك. في أحد السيناريوهات، قد تُطلق تحقيقات على أساس كل صناعة على حدة. وفي سيناريو آخر، قد يضطر الكونجرس للتحرك من جانبه. إجمالا، بينما قد تظل الرسوم الجمركية أعلى مما اعتدنا عليه، فإن هذه العملية قد تُسفر عن نتيجة تحمل على الأقل بعضَ مظاهر الاستراتيجية وراءها. في الوقت الحالي، لا يمكننا حتى قول ذلك.
في الوقت الراهن، يمثل تراجع ترامب الأخير عن الرسوم المفروضة على المنتجات الزراعية اعترافاً ضمنياً بإخفاق السياسة الحالية. كما يعكس إدراكاً ساخراً بأن النتائجَ الاقتصادية تظل في المرتبة الثانية بعد السياسة والرأي العام.
*كاتب متخصص في الأسواق والاقتصاد الأميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشتن»