برغم ما يطرحه الرسميون ويروج له الإعلاميون الأوروبيون من وجود مصلحة عالمية عامة من وراء حماية البيئة والإنفاق عليها جماعياً، إلا أن هذه الأفكار والطروحات تبدو محصورة ومكبلة ضمن ما يستقيه ويعتمد عليه جميع المنادين بتلك الأفكار الواردة ضمن تقرير قديم كتبه شخص كلفته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية التابعة للأمم المتحدة بكتابته في عام 1987. وذلك الشخص هو برانديت لاند، وكتبه تحت عنوان «مستقبلنا المشترك»، وهو تقرير كان قد أثار موجات من الشكوك والريبة وعدم التيقن وعدم القبول.
تلك المظاهر السلبية تعود إلى شكوك انتابت الدول النامية حول تعمد الدول الصناعية القوية المتقدمة صناعياً واقتصادياً وتنموياً عرقلة مسيرة التنمية لديها؛ والدفع إلى الأمام بأنواع عدم المساواة في الثروة والقوة اعتماداً على مقولات العولمة الحديثة ومظاهرها لعرقلة برامجها التنموية. لذلك، فإن دول العالم النامي الساعية إلى التنمية الاقتصادية والصناعية أخذت تنظر إلى الأفكار والمقولات المطروحة بعين الحذر الشديد، بكونها مثالية طوباوية نزعات أنانية تخدم مصالح الدول المتقدمة اقتصادياً وحدها دون النظر إلى مصالح الدول النامية.
لكن الدول الأوروبية بالتحديد مصرَّة على أن محور المسألة هو «المستقبل المشترك للبشرية» وعلى أن المشاكل البيئية الحاصلة في عالم اليوم يتسبب فيها الجميع، وعلى أنها مشاكل «عابرة للحدود»، ومن مسؤولية جميع دول العالم التصدي لها والإنفاق على كلفة معالجتها.
لكن الملموس واقعياً هو أن الدول الصناعية المتقدمة، هي المتسبب الرئيسي في تلوث البيئة العالمية، وبأن أكبر قدر من انبعاث الغازات في الجوهر مسؤوليتها، وهي مشكلة أوروبية في أساسها وبداية ظهورها كملوث للبيئة العالمية، فذلك يحدث على مدى المائتين وخمسين عاماً المنصرمة تقريباً، وذلك منذ بدء الثورة الصناعية في أوروبا. لكن الأوروبيون لا يعترفون بذلك ويريدون من العالم النامي أن يدفع الثمن، وذلك هو أساس وجوهر المشكلة التي تريد بعض الأطراف الدولية قلب الحقائق ولي ذراعها حولها.
ومن المؤكد أن ما تستطيع دول العالم النامي القيام به من تخفيف وحد للتلوث البيئي رداً على مقترحات وأفكار دول العالم الصناعي لا تتواءم مع ما هو مطروح، لأنها لن تكون بالحجم الذي يتم اقتراحه أو توقعه، وتنظر إليه دول العالم النامي بأنه مجرد هرطقة لا تتماشى مع مصالحها الوطنية.
ورداً على المقترح المطروح في 10 أكتوبر 2025، خرجت أصوات من العالم النامي تقول بأن العالم الصناعي، خاصة دول الاتحاد الأوروبي تمتعت لردح طويل من الزمن بتحقيق الثروات القائم على تلويث البيئة العالمية، لكنها تقوم بإلقاء اللوم الآن على دول العالم النامي عن ما يحدث وتريد تحميلها المسؤولية الأدبية والكلفة المالية. إن الأمر المزعج في هذا هو أن دول الاتحاد الأوروبي تدعو وتفضل نمطاً للحد من التلوث قائماً على قياس معدلات انبعاثات الغازات المتواجدة في كل دولة حالياً.
ومن المعلوم أن الدول النامية قد بدأت مشاريعها الصناعية التنموية في الأمس القريب، وتستخدم أنماطاً تكنولوجية أقل تطوراً، وهي مشاريع مستوردة من الدول الصناعية المتقدمة ذاتها، لذلك، فإن معظمها يعتقد بأن طروحات كهذه تميل إلى تركيز عدم المساواة الاقتصادية بين العالمين النامي والمتقدم. وسبب ذلك يعود إلى أنه من الصعب على دول العالم النامي تحقيق تنميتها الصناعية الوليدة ومستويات معيشية أفضل لشعوبها دون أن يصاحب ذلك المزيد من استخدام مصادر الطاقة الأحفورية المسببة للتلوث البيئي.
*كاتب إماراتي