عادت قضية تسوية الحرب في أوكرانيا للظهور مجدداً على سطح الأحداث، بعد الحديث عن مبادرة جديدة لترامب لإنهاء الحرب، ومن المعروف أنه منذ حملته الانتخابية للفوز بولاية ثانية كرر كثيراً أنه لو كان رئيساً لما نشبت الحرب، وأنه سينهيها عندما يفوز، وبالفعل بدا سيناريو التسوية ممكناً عندما ظهر أنه لا يمانع في تسوية تعتمد التغيرات الإقليمية التي أحدثتها روسيا لمصلحتها في الحرب، وفي هذا السياق تم اللقاء العاصف بين ترامب والرئيس الأوكراني في البيت الأبيض، وحدثت اعتراضات أوروبية خجولة، لكن هذا كله لم يفض إلى شيء، وغاب اليقين حول مسؤولية الفشل، وهل تعود إلى الرفض الأوكراني- الأوروبي؟ أم أن روسيا تتحمل نصيبها من المسؤولية؟ ربما لأن بوتين وإنْ كان صاحب مصلحة أكيدة في تسوية تعترف بالتغيرات الإقليمية التي نجمت عن الحرب، إلا أنه ربما اعترض على الضمانات الأمنية المشددة التي كان يجب أن تحصل عليها أوكرانيا مقابل تخليها عن جزء من أراضيها، ثم عاد الأمل من جديد بلقاء ترامب وبوتين في ألاسكا في أغسطس الماضي الذي بدا دافئاً وناجحاً، غير أنه لم يفض لشيء محدد رغم كل تصريحات ترامب عن قرب التوصل لاتفاق، ولم يُعْقَد الاجتماع الذي كان منتظراً بين بوتين وزيلنيسكي، بل إن ترامب صرح في 23 من الشهر التالي للقائه بوتين بأن في مقدور أوكرانيا أن تستعيد كامل أراضيها، بالمخالفة لتصريحات سابقة، ثم كان إلغاء ترامب في 23 أكتوبر الماضي الاجتماع المقرر عقده مع بوتين في المجر إشارة إلى أن محادثاته مع بوتين تكون دائماً جيدة «لكننا لا نصل إلى نتيجة»، وبدا أن حلم التسوية قد تبخر.
غير أن الأيام الأخيرة حملت أنباءً عن خطة جديدة لترامب لإنهاء الحرب تتكون من 28 بنداً، ورغم أن نص الخطة لم يُعلن رسمياً بعد فإن ما تسرب عنه يشير إلى أن الخطة بُنيت على نفس الأفكار الأساسية لترامب، وهي القبول من حيث المبدأ بتغيرات إقليمية لمصلحة روسيا، وتعهد أوكرانيا بعدم الانضمام لحلف الأطلنطي، مع ضمانات أمنية كاملة، وإغراءات اقتصادية واضحة.
والسؤال الآن، هل هناك جديد في موقف الأطراف يفضي للتفاؤل بنجاح خطة ترامب هذه المرة؟ الواقع أن هناك بعض المؤشرات التي قد تدعو لشيء من التفاؤل، فعلى الرغم من استمرار الموقف الأوروبي المتحفظ إنْ لم يكن الرافض لأفكار ترامب إلا أن قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت السبت الماضي أكدت أن الخطة الأميركية بشأن أوكرانيا يمكن أن تشكل أساساً للتسوية.
ورغم أن البيان قد أشار إلى أنها تتطلب مزيداً من العمل، فإنه لم يعترض على عقدة التسوية، وهي التغييرات الإقليمية لمصلحة روسيا التي تمت بالقوة، وبالطريقة نفسها فإن مباحثات الوفود الأوكرانية مع ممثلين أوروبيين وأميركيين تلتها تصريحات أميركية تحدثت عن «إحراز تقدم جيد»، وأوكرانية عن الاقتراب من «سلام عادل ودائم»، كما أن بوتين وصف الخطة بأنها «يمكن أن تشكل أساساً لتسوية سلمية نهائية»، أي أن هناك نغمة إيجابية أو على الأقل غير سلبية، لدى جميع الأطراف قد تدفع للتفاؤل، ومع ذلك، ولأن المؤمن لا ينبغي أن يُلدغ بسهولة من جحر مرتين لننتظر ونرى.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.