في الثلاثين من نوفمبر من كل عام، تحتفل دولة الإمارات العربية المتحدة بيوم الشهيد، الذي يمثّل مناسبة وطنية كبرى تُجسّد كل معاني التضحية والفداء لأجل الوطن، ويعكس هذا اليوم التلاحم العميق بين أبناء الإمارات، ويُذكر الجميع بالعزيمة والإصرار في الدفاع عن الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره، كما يشكّل فرصة لتعزيز الانتماء والهوية الوطنية.
وتجسّد مواقف القيادة الرشيدة لدولة الإمارات، ممثلةً في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، المكانة الرفيعة التي يحظى بها شهداؤنا الأبرار. وفي هذا السياق، نستذكر قول سموّه في تدوينة نشرها على منصة «إكس» في الأول من ديسمبر الماضي بمناسبة إحياء يوم الشهيد عام 2024، حيث قال: «في يوم الشهيد نعبّر عن تقديرنا لتضحيات شهدائنا الأبرار الذين ضربوا المثل والقدوة في حب الوطن والدفاع عنه وتجسيد قيمه ومبادئه، ونؤكد اعتزازنا بذويهم وتقديم كل أوجه الرعاية لهم».
وفي ظلّ المكانة السامية التي يحظى بها الشهداء في دولة الإمارات، أولت الجهات المختصة رعاية أسرهم اهتماماً بالغاً، فالدولة لا تقتصر على تكريم الشهداء في الذاكرة الوطنية فحسب، بل تمتد أيادي العطاء إلى ذويهم، لتوفير الدعم والاستقرار، وضمان أن يعيش أبناء الأبطال حياة كريمة تليق بتضحيات آبائهم. وقد أصبح الاهتمام بأسر الشهداء منهجاً ثابتاً، يتجلّى من خلال المبادرات التي تتابع احتياجاتهم وتسعى لتلبيتها بسرعة وكفاءة.
وفي هذا الإطار، تبنّت دولة الإمارات استراتيجية متكاملة وشاملة تهدف إلى تأمين متطلبات الحياة الكريمة لأسر الشهداء، مرتكزة على عدة محاور أساسية، أبرزها تعزيز الاستقرار الأسري من خلال برامج الإسكان وتوفير المساكن الملائمة، ودعم التعليم لأبناء الشهداء ومتابعة مسيرتهم الأكاديمية بكل حرص، إلى جانب تقديم الرعاية الصحية المتكاملة، وإطلاق منظومة واسعة من المبادرات الاجتماعية والتنموية والثقافية والرياضية، التي تهدف إلى صقل المهارات العلمية والإبداعية والقيادية، لضمان أن تظل هذه الأسر جزءاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة الوطن ونهضته المستدامة، مع تعزيز قيم الانتماء والولاء والفخر الوطني لديهم.
وتُعد «واحة الكرامة» شاهداً خالداً على بطولات أبناء الإمارات الذين قدّموا أرواحهم فداءً للوطن، فهي ليست مجرد مَعْلَمٍ تذكاري، بل مساحة من الوفاء تنبض بالمعاني الوطنية العميقة. وقد أقيم هذا الصرح المهيب ليجسّد روح التضحية والولاء التي يمتاز بها أبناء الإمارات، ومنذ افتتاحها عام 2016، غدت «واحة الكرامة» وجهة وطنية يتوافد إليها المواطنون والزوار للتعبير عن امتنانهم واعتزازهم، ولتظلّ رسالتها الخالدة تقول: إنّ ذاكرة الوطن لا تَنسى مَن ضحّى مِن أجله، وإنّ المجد لا يزول ما دامت تضحيات أبنائه تنير الدرب للأجيال القادمة.
وفي هذه المناسبة الوطنية، تتجدد في أرجاء الدولة مشاعر الفخر والاعتزاز، وتتنوّع مظاهر التعبير عن الوفاء للشهداء من خلال فعاليات واحتفاءات تعبّر عن وحدة البيت الإماراتي وتلاحم قيادته وشعبه. وتحرص المؤسسات التعليمية والمجتمعية والإعلامية على إحياء الذكرى بطرق تعبّر عن الامتنان لتضحيات الأبطال، وتُرسّخ في نفوس الأجيال معاني الولاء والانتماء. كما تشهد الدولة مظاهر رمزية تعبّر عن الإجلال، حيث تُستحضر سِيَر الشهداء وتُتلى كلمات العرفان، لتبقى رسالتهم حاضرة في الوجدان الوطني، تؤكد أن ما قدّموه من عطاء خالد هو الأساس الذي تُبنى عليه مسيرة الوطن.
إن يوم الشهيد سيظل علامةً مضيئةً في تاريخ دولة الإمارات، يُجدّد فيه أبناء الوطن عهد الوفاء والولاء للوطن ولقيادته الرشيدة التي تبذل كل ما في وسعها لتلبية كل احتياجات المواطنين، وتتعانق في هذا اليوم مشاعر العزّة والفخر بتضحيات الأبطال الذين خلّدوا أسماءهم في سجلِّ المجد. ويحمل الاحتفاء بهذا اليوم رسالة أساسية مفادها، أن الأوطان لا تُصان إلا بالعطاء، ولا تُبنى إلا بالإخلاص والتفاني. وسيظلّ شهداؤنا رمزاً للكرامة ومصدر إلهامٍ لكلّ من يحمل في قلبه حبّ هذا الوطن العزيز.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.