في الذكرى الرابعة والخمسين لعيد الاتحاد تبدو الإمارات وكأنها تعيد تعريف مفهوم الدولة الحديثة. وأصبحت معياراً دولياً للحكم الرشيد وتسيير الدولة باحترافية، وكل دول العالم تنظر اليوم للإمارات للتعلم منها واتباع خطواتها في تحقيق معجزة الدولة الصغيرة بمعايير الدول العظمى الكبرى، وهي تخلق مفاهيم جديدة في تصنيف الدول خاص بها وحدها لا ينافسها فيه سوى قلة من الدول تعد على أصابع اليد الواحدة. دولة من نور شقت طريقها لما بعد العالمية، فخلال عام 2025 وحده سجلت الإمارات قفزات نوعية في مؤشرات العمران، والمعرفة، والبحث العلمي، والتصنيع، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات الخارجية، وذلك وفق بيانات صادرة عن مؤسسات دولية كالبنك الدولي، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والأمم المتحدة، ووكالات التصنيف المتخصصة.
من حيث العمران والبنية التحتية، حافظت الإمارات في 2025 على موقعها ضمن أفضل ثلاث دول في العالم في كفاءة البنية التحتية وفق تقرير التنافسية العالمي (WEF)، بينما جاء مطار دبي الدولي في المرتبة الأولى عالمياً في حركة المسافرين الدوليين للسنة الحادية عشرة على التوالي. ووفق تقرير (IHS Markit) للبنية التحتية 2025، تحتل الإمارات المرتبة الأولى في الشرق الأوسط والثالثة عالمياً في جودة الطرق، بينما تصدر ميناء جبل علي مؤشرات الكفاءة الإقليمية بقدرة مناولة تجاوزت 15 مليون حاوية سنوياً.
في المعرفة والبحث العلمي، صعدت الإمارات هذا العام إلى المركز الثامن والعشرين عالمياً في مؤشر الابتكار العالمي (WIPO 2025)، محققة أعلى قفزة على مستوى دول الشرق الأوسط. كما ارتفع الإنفاق الوطني على البحث والتطوير إلى 1.7% من الناتج المحلي - وهو الأعلى تاريخياً- مع تسجيل نمو بنسبة 22% في عدد الباحثين لكل مليون نسمة وفق بيانات «اليونسكو» 2025.
أما في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، فتظهر الأرقام تقدماً غير مسبوق، فبحسب مؤشر «جاهزية الذكاء الاصطناعي 2025» الصادر عن Oxford Insights، جاءت الإمارات في المرتبة الثانية عالمياً في جاهزية الحكومات لتبنّي الأنظمة الذكية والأولى في الشرق الأوسط. كما شهد قطاع التكنولوجيا نمواً تجاوز 11.4% خلال 2024 - 2025، مدعوماً بتوسع مراكز البيانات الضخمة ومشاريع الحوسبة السحابية، إضافة إلى تصنيع أول معالج إماراتي منخفض الطاقة للاستخدامات الصناعية.
وفي مجال التصنيع والاقتصاد المتنوع، ارتفع الناتج الصناعي الإماراتي إلى 197 مليار درهم في 2025 وفق وزارة الصناعة مع نمو سنوي قدره 8.6%، إضافة إلى توسع صناعات الفضاء والطيران، حيث أعلن مركز محمد بن راشد للفضاء زيادة حجم مشاركاته الدولية بنسبة 40%، وتصدير مكونات فضائية إلى 11 دولة، وتمتلك الإمارات ثالث أكبر محفظة سيادية في العالم بقيمة تتجاوز 2.5 تريليون دولار، وتعد ثاني أكبر مستثمر في التكنولوجيا المتقدمة خارج وادي السليكون الأميركي. كما تقود استثمارات الإمارات في الذكاء الاصطناعي الاستثمارات في أشباه الموصلات، أي أن الإمارات تستثمر في الحاضر والمستقبل، وبينما يردد غيرها الشعارات هي تمضي بثبات في الإنجازات؛ ولذلك أطلقت أول جامعة للذكاء الاصطناعي في العالم - وهي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي - التي يعمل خريجوها في أكبر الشركات في العالم على غرار Google، NVIDIA، OpenAI، Meta، وبذلك هي أول دولة في العالم العربي والإسلامي تتخلى عن الخطب العصماء إلى فضاء الأفعال الرائدة التي تنافس بها كبرى القوى الدولية على أرض الواقع.
وخارج الحدود، أثبتت الإمارات أنها لاعب اقتصادي عالمي، فقد بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية الخارجية في 2025 نحو 2.1 تريليون درهم، وفق تقرير الاستثمار العالمي لـ«الأونكتاد»، لتصبح ضمن أكبر 10 دول في العالم من حيث حجم الاستثمار الخارجي المباشر. كما تدير الشركات الإماراتية - خصوصاً موانئ دبي العالمية - أكثر من 78 ميناء حول العالم في 40 دولة، في واحدة من أوسع شبكات الإدارة اللوجستية الدولية.
وعلى صعيد الدور الدولي والقوة الناعمة، احتلت الإمارات المرتبة الـ 10 عالمياً في مؤشر القوة الناعمة 2025، بحسب Global Soft Power Index، متقدمة على دول أوروبية وآسيوية ذات تاريخ طويل في الدبلوماسية. ويعود جزء كبير من التأثير إلى السياسة الإنسانية للدولة، فقد بلغت قيمة المساعدات الإماراتية في 2025 - وفق بيانات الأمم المتحدة OCHA- نحو 1.46 مليار دولار، لتكون الإمارات أكبر مانح للمساعدات الإنسانية قياساً إلى الدخل القومي، وتقدَّم هذه المساعدات للفلسطينيين، والسودانيين، والأفغان، واليمنيين، وغيرهم من الشعوب والأمم، دون أي اعتبار للخلافات السياسية أو الاصطفافات الإقليمية.
ويجمع خبراء السياسة الدولية على أن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، هو أحد أكثر القادة تأثيراً في العالم، إذ صنفته مؤسسات تحليل جيوسياسي ضمن أقوى 12 شخصية سياسية عالمياً في 2025، بسبب قدرته على صياغة سياسات مستقرة، وتحقيق توازن مع القوى الكبرى، إضافة إلى بصماته في نشر السلام ومنع التصعيد الإقليمي. وتطرح بعض الدوائر الأكاديمية فكرة ترشيحه لجائزة نوبل للإنسانية نتيجة حجم المساعدات الدولية التي قدمتها الإمارات خلال العقدين الماضيين.
أما حكومة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، فقد واصلت تعزيز مكانة الدولة كحلم للشباب العربي والعالمي، إذ جاءت الإمارات الأولى عربياً، وضمن أفضل 20 دولة عالمياً في مؤشر السعادة لعام 2025. ومع توسع الدولة في الطاقة النظيفة - خاصة مشاريع الهيدروجين والطاقة الشمسية - تقترب الإمارات من تحقيق هدفها بخفض الاعتماد على الطاقة الأحفورية إلى أقل من 20% بحلول 2030، وهو ما يعد ضمانة حقيقية لأجيال المستقبل.
تبدو الإمارات في عيد الاتحاد 2025 وقد تجاوزت فكرة الدولة الناجحة، إنها اليوم دولة معيارية تدرس تجربتها في الإدارة، والازدهار، والتنوع الاقتصادي، وصناعة النفوذ الدولي. دولة متوسطة بحجمها، لكنها عظمى بتأثيرها وفق الأرقام والحقائق.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات