خلال الأشهر الثلاثة الماضية، شنّت القوات الأميركية 22 ضربة عسكرية ضد قوارب في المياه الدولية بالبحر الكاريبي والمحيط الهادئ، ما أسفر عن مقتل 83 شخصاً قيل إنهم مهربو مخدرات. أما الحدث الأكثر إثارةً للجدل، فكان التصريح بتنفيذ ضربتين في 2 سبتمبر ضد قارب استُهدف أولاً، ثم ورد أن هناك ناجيين اثنين، لتأتي الضربةُ الثانية بهدف التأكد من عدم بقاء أي شخص على قيد الحياة. وتختلف التقارير حول ما إذا كان وزير الدفاع، بيت هيجسيث، هو مَن أصدر الأوامر بالضربة الثانية، أم قائد الهجوم، الأدميرال فرانك برادلي. ويطالب أعضاءُ الكونجرس من كلا الحزبين السياسيين بإجابات، إذ يرى العديدُ مِن الخبراء أن الضربة الثانية قد تُعدّ «جريمة حرب» على حد وصفهم.
وفي غضون ذلك، نشرت الولايات المتحدة قوة مهام ضخمة قبالة سواحل فنزويلا موجهة ضد حكومة الرئيس نيكولاس مادورو، الذي يعتقد ترامب أنه يقف وراء عمليات تهريب واسعة النطاق للمخدرات إلى الولايات المتحدة، وبالتالي فهو مسؤول عن مقتل العديد من الأميركيين. وإذا اندلع صراع بين الولايات المتحدة وفنزويلا، فقد يُشكّل ذلك أزمةً خطيرةً لإدارة ترامب إذا لم تحقق انتصاراً فورياً ضد مادورو.
ومهما حدث، فستزداد التساؤلاتُ حول حكمة التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، لا سيما وأن واشنطن منخرطة بالفعل في عمليات عسكرية مستمرة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما في ذلك اليمن والعراق والصومال. وقد هدد ترامب مؤخراً باستخدام القوة في نيجيريا لمكافحة «الإرهاب الموجه ضد المجتمع المسيحي هناك». هذه العمليات العسكرية ليست ما أراده الكثيرون ممن صوتوا لترامب، إذ كان دعمهم لشعار «أميركا أولاً» مبنياً على اعتقاد بأن على الولايات المتحدة استخدام مواردها لحل مشاكل الداخل الأميركي، وليس الانخراط في البلدان البعيدة.
ويجد ترامب نفسَه في موقف صعب فيما يتعلق بوزير دفاعه. فهو يتعرض لضغوط متزايدة لاستبدال هيجسيث. ويجادل منتقدوه داخل حزبه بأن هيجسيث غير مناسب من الناحية المزاجية لهذا المنصب، وقد تسبب في خلافات حادة مع الموظفين المدنيين والعسكريين في البنتاجون. وإذا اندلع القتال في فنزويلا وتكبد الأميركيون خسائر فادحة، فسيكون منصب هيجسيث في خطر. وفي هذه المرحلة المبكرة من رئاسته الثانية، لا يمكن لترامب أن يظهر كقائد ضعيف. وقد أظهر في السابق أنه لا يجد صعوبةً في استبدال وزراء يحبهم إذا تسببوا في مشاكل لإدارته.
ومن بين كبار المسؤولين الآخرين الذين يخضعون للتدقيق، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، كاش باتيل، ومديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي جابارد، ووزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت إف كينيدي. وقد تعرضوا لانتقادات واسعة النطاق بسبب إدارتهم لمناصبهم، وما ترتب على ذلك من خلق بيئة عمل عدائية لموظفيهم.
وتحدث مثل هذه المشكلات الإدارية في كل الإدارات، لكن ما يميز حالة هؤلاء المسؤولين الثلاثة، وهيجسيث بصفة خاصة، هو أنهم واجهوا معارضة كبيرة عند ترشيحهم لمناصبهم. وكانت جلسات الاستماع لتأكيد تعيينهم في مجلس الشيوخ مؤلمةً، حيث اجتازوا التصويت النهائي بأضيق الفوارق، وذلك بفضل التدخل القوي من ترامب لتأمين تعيينهم والقبول المتردد من بعض «الجمهوريين» الذين رأوا أن الرئيس الجديد يستحق منحَه هامش الثقة.
إن كيفية تعامل ترامب مع الأزمات المتصاعدة بشأن فنزويلا، ومسؤولية هيجسيث المحتملة عما يسميه المنتقدون «جرائم حرب»، والمفاوضات الجارية مع أوكرانيا وأوروبا بغية التوصل إلى سلام مع روسيا، ستنم عن مهاراته كسياسي ورجل دولة. وإذا تجنّب الصراع في فنزويلا، وأقال هيجسيث، ورفض التخلي عن أوكرانيا أمام المطالب الروسية، فسيفوز بتقدير العديد من أشد منتقديه، لكن هذه خيارات صعبة، وهو وحده مَن يجب أن يقرر ما ينبغي فعله من أجل مصلحة البلاد وإرثه السياسي.
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن