تزايدَ القلق أخيراً بعدما تأخّر الانتقال إلى المرحلة الثانية في تنفيذ «اتفاق غزّة». بدأ وقف إطلاق النار فعلياً منتصف أكتوبر الماضي، وتبعه الإفراج عن الرهائن والأسرى، بالتزامن مع قمة دولية انعقدت في شرم الشيخ لتوقيع الاتفاق في حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، صاحب المبادرة والخطة اللتين أصبحتا بعد شهر، منتصف نوفمبر، قراراً صادراً عن مجلس الأمن. وبمرور الوقت، راح وقف إطلاق النار يتآكل على وقع حوادث يومية كان بعضها خطيراً، فرغم أنه لم يشهد عودة إسرائيلية إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة، إلا أن كثافة القصف وسقوط عدد كبير من القتلى والمصابين ذكّر بأسوأ أيام الحرب. وإذ تأخّرت «حماس»، كما كان متوقّعاً منذ المفاوضات، في تسليم جثث رهائن قتلوا خلال الحرب، تذرّعت إسرائيل بذلك لعدم استكمال التفاوض لتنفيذ الخطوات التالية. وهكذا راوح الوضع مكانَه وتكاثرت خروقات الهدنة بشكل يومي.
ورغم إلحاح الوسطاء (مصر وتركيا وقطر) لدى الولايات المتحدة، وجميعهم موقّعون على الاتفاق، لم يحصل أي تقدم قبل صدور القرار 2803 ولا بعده، فتعاظمت المخاطر والشكوك إزاء مصير الاتفاق. لذا أصدرت خمس دول عربية (مصر والسعودية والإمارات وقطر والأردن) وثلاث دول إسلامية (تركيا وباكستان واندونيسيا) بياناً مشتركاً شكّل بالنسبة للجهات المعنية دولياً ناقوس إنذار بوجوب إعادة تفعيل خطوات تثبيت السلام، خصوصاً أن الدول المؤيدة للاتفاق لا تزال على موقفها. ما دفع إلى إصدار ذلك البيان هو القلق الذي أثاره إعلان جهة حكومية إسرائيلية أن معبر رفح سيُفتح «للسماح حصراً بخروج سكان غزّة إلى مصر»، موحيةً بأن هناك «تنسيقاً» حصل، لكن القاهرة نفت أي تنسيق، وإذا وجد فإنه سيكون لعبور السكان في الاتجاهين خروجاً ومغادرة «طبقاً لما ورد في خطة الرئيس ترامب». 
وكانت الخطة قد نصّت على فتح معبر رفح «في الاتجاهين» (البند 8) و«لن يُجبر أحد على مغادرة غزّة، فمن يرغب في المغادرة سيكون حرّاً وله حق العودة، وسيجري تشجيع السكان على البقاء لبناء غزّة على نحوٍ أفضل» (البند 12). وبالطبع كان دخول المساعدات الإنسانية وتوزيعها «من دون تدخل الطرفين» (إسرائيل و«حماس») هدفاً رئيسياً لفتح المعبر. لكن المساعدات ظلت تدخل من معابر أخرى وفقاً للتقنين الإسرائيلي، ونبّهت منظمات الإغاثة إلى أن المتوفّر من أغذية وأدوية ووقود ومستلزمات إيواء يبقى أقل من الحاجات. غير أن صيغة إعلان إسرائيل من جانب واحد عن فتح المعبر أعادت إلى الأذهان أنها لا تزال تسعى إلى «تهجير الغزّيين» كهدف حكومي لا يزال معتمداً، رغم رفض مصري قاطع أيّدته القمم العربية والإسلامية والخليجية والقرارات الأممية.
ويُعتبر فتح معبر رفح خطوةً مفصليةً لتأكيد فاعلية اتفاق غزّة في إرساء بداية سلام في القطاع، لأن تطبيقه يستلزم إظهار حُسن نية في الانسحاب الإسرائيلي التدريجي المطلوب. لكن هذا ليس البند الوحيد في الخطة الذي تمكّنت إسرائيل من تجميده أو عرقلته، فحتى الآن لم يُشكّل «مجلس السلام» الذي سيرأسه ترامب ويضم رؤساء دول، ولا شُكّلت «قوة الاستقرار الدولية»، لأن إسرائيل تضع «فيتو» على مشاركة بعض الدول، وبالتالي لم تظهر معالم «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» التي ستتولى إدارة القطاع بإشراف «مجلس السلام». وبالإضافة إلى ذلك تشهد أوضاع الضفة الغربية تدهوراً مقلقاً للغاية بسبب ممارسات حكومة الاحتلال وميليشيات المستوطنين. لذا شدّد وزراء الدول الـ 8 على ضرورة تطبيق «خطة ترامب» بكاملها من دون تأخير.


*كاتب ومحلل سياسي - لندن