أُذيعت يوم الخميس الماضي وثيقة الأمن القومي التي تعكس رؤية ترامب للأمن القومي الأميركي، اتساقاً مع تقليد بدأ في 1968 بصدور قانون الأمن القومي الذي ألزم البيت الأبيض بتقديم وثيقة دورية للكونجرس تشرح التوجهات الكبرى للسياسة الخارجية والدفاعية، وتُحدد أولويات الإدارة الأميركية في مجال الأمن القومي.
وقد كان متوقعاً أن تتماهى الاستراتيجية مع توجهات ترامب، لكني أعتقد أن الاستراتيجية انطوت على بعض المفاجآت، والمفاجأة الأكبر في تقديري هي إعطاء الأولوية الاستراتيجية لنصف الكرة الأرضية الغربي، أي قارة أميركا الجنوبية، وقد انعكس هذا في تصدر هذا الإقليم باقي أقاليم العالم في الاستراتيجية، فقد جاء ترتيبها على النحو التالي: نصف الكرة الغربي-آسيا- أوروبا-الشرق الأوسط-أفريقيا، وهو ما يمثل اختلافاً واضحاً عن تقاليد سابقة للسياسة الأميركية.
وفي إدراك أبعاد هذا الاختلاف يمكن التذكير بالجدل الذي دار إبان ولاية باراك أوباما الثانية حول انتقال أولوية التركيز في السياسة الخارجية الأميركية من الشرق الأوسط لآسيا، وكان مفهوماً أن هذا يعكس تراجعاً في أهمية الإقليم من المنظور الأميركي بسبب تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة من الشرق الأوسط، وتحول في إدراك أوباما لإيران بحيث بات يرى إمكان التفاهم معها حول برنامجها النووي، ومن هنا جاء اتفاق (5+1) في2015، ودعوته الدول العربية وإيران إلى التعايش وحل المشكلات العالقة بين الطرفين.
أما في استراتيجية ترامب 2025 فقد قفز نصف الكرة الغربي إلى صدارة الأولويات كما سبقت الإشارة، بل إن ترامب استدعى في هذا السياق «مبدأ مونرو 1823»، الذي يرتبط باسم الرئيس جيمس مونرو، وينص على أن أي تدخل في الشؤون السياسية للأميركيتين من قبل قوى أجنبية يعد عملاً عدائياً محتملاً ضد الولايات المتحدة.
وقد أعاد ترامب إحياء هذا المبدأ بسبب ما يراه من تفاقم التهديدات النابعة من الإقليم، ولخصها في الهجرة وتجارة المخدرات وصعود القوى المعادية فيه، وترتبت على هذه الأولوية دعوة ترامب لإعادة تنظيم الوجود العسكري الأميركي في نصف الكرة الغربي لمواجهة تلك التهديدات بالقوة إذا لزم الأمر، ومن الواضح أن السلوك الأميركي الحالي تجاه فنزويلا يتّسق مع هذه النظرة، ويفتح الباب لكل الاحتمالات.
وثمة ملاحظات أخرى مهمة على مضمون استراتيجية ترامب تتعلق بموقع الصين وأوروبا والشرق الأوسط منها، حيث إن أفريقيا جاءت في ذيل اهتمامات الاستراتيجية، وتحتاج هذه الملاحظات إلى إمعان نظر في محتوى الاستراتيجية بالنسبة لتلك الأقاليم.
ويمكن القول بأن السمة الأساسية في نظرة الوثيقة للصين هي التحول من طابع المواجهة الأيديولوجية إلى طابع اقتصادي يركز على الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا، وذلك دون إغفال البعد العسكري في المواجهة، فقد برزت مجدداً فكرة تقاسم الأعباء التمويلية في حلف الأطلنطي بين الأوروبيين والولايات المتحدة.
أما الشرق الأوسط، فقد راجت فكرة تراجع أهميته بالنسبة للسياسة الأميركية، سواء بسبب تراجع الاعتماد الأميركي على نفط المنطقة، أو انحسار التهديدات من القوى المزعزعة للاستقرار في المنطقة بعد الضربات التي تلقتها إيران في يونيو الماضي من إسرائيل أولاً ثم الولايات المتحدة ثانياً، وتحتاج كل هذه الملاحظات السريعة قراءة متأنية تساعد على استشراف نوايا ترامب تجاه العالم في مستقبل الأيام.
*أستاذ العلوم السياسية- جامعة القاهرة.