كتب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الأسبوع الماضي: «أيّها الأصدقاء الأميركيون الأعزاء، أوروبا أقرب حلفائكم، وليست مشكلتكم. ولدينا أعداء مشتركون. على الأقل كان هذا هو الحال خلال ثمانين عاماً الماضية. يجب أن نتمسك بهذا، وهذه هي الاستراتيجية المعقولة الوحيدة لأمننا المشترك. إلا إذا تغيّر شيء ما».

ولعل المقصود في صياغة توسك هو سياسات الرئيس دونالد ترامب. فقد أثارت سياسته «أميركا أولاً» هذا العام جولات من القلق الأوروبي بشأن مستقبل العلاقات الأميركية الأوروبية والمخاطر الجيوسياسية التي قد يضطر الأوروبيون لمواجهتها وحدهم. وقد نزل الإصدار الأخير لاستراتيجية الأمن القومي الأميركية، وهي وثيقة ترسم أولويات الرئيس الأميركي في مجال السياسة الخارجية وأسسها الأيديولوجية، كقنبلة على بروكسل. ذلك أنه بدلاً من التركيز على «التحديات الجيوسياسية»، وجّهت الوثيقة سهامها نحو أوروبا نفسها، محذرةً من «محو الهوية الحضارية» للقارة نتيجة الهجرة غير المقيدة والمؤسسة الليبرالية غير الفعّالة.

وسخرت الوثيقة من «التوقعات غير الواقعية» للمسؤولين الأوروبيين الداعمين لأوكرانيا في حربها مع روسيا، ومن «حكومات الأقلية غير المستقرة»، في سخرية لاذعة من الوسطيين الأوروبيين. وتقول الاستراتيجية: «لقد انتهت أيام قيام الولايات المتحدة بحمل النظام العالمي بأكمله على كتفيها مثل أطلس».

وفي تقرير منفصل، أفادت «رويترز» بأن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءَهم الأوروبيين أنهم يريدون أن «تتولى أوروبا الجزءَ الأكبر من قدرات الدفاع التقليدية للناتو، من الاستخبارات إلى الصواريخ، بحلول عام 2027»، وهو انسحاب ضمني من الالتزامات الأميركية قد تكون له تداعيات هائلة على الحلف العسكري.

وقال «نيكولاس فينوكور»، من بوليتيكو: «إذا كان هذا صحيحاً، فهو أمر يغيّر قواعد اللعبة». ومن جانبه وصف وزير الخارجية ماركو روبيو تغريم الاتحاد الأوروبي لموقع «إكس» بمبلغ 140 مليون دولار، بسبب انتهاكاتها المزعومة لأنظمة الاتحاد، بأنه «هجوم على جميع منصات التكنولوجيا الأميركية وعلى الشعب الأميركي من قبل حكومات أجنبية».

وكان رجل التكنولوجيا ومالك إكس، إيلون ماسك، أكثر حدة، إذ كتب: «يجب إلغاء الاتحاد الأوروبي وإعادة السيادة إلى الدول الفردية، حتى تتمكن الحكومات من تمثيل شعوبها بشكل أفضل». وسارع كبار المسؤولين في الكرملين إلى تضخيم هذه الدعوات، داعمين المواقف المتعلقة بحرية التعبير التي يتبناها نائب الرئيس «جي دي فانس» و«ماسك»، رغم حظر موقع ماسك في روسيا. وقال «دميتري بيسكوف»، المتحدث باسم الكرملين، إن استراتيجية الأمن القومي لترامب «تتوافق في جوانب كثيرة مع رؤيتنا». وعمق هذا الخطاب قناعةَ بعض الأوروبيين، فوفقاً لتسريب مزعوم لمكالمة هاتفية بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، فإن إدارة ترامب مستعدة للتخلي عن المصالح الأوكرانية والأوروبية لصالح تسوية سياسية سريعة مع روسيا.

وقال ماكرون للصحفيين، الأسبوع الماضي، خلال زيارة للصين: «الوحدة بين الأميركيين والأوروبيين بشأن المسألة الأوكرانية أمر أساسي. وأقولها مراراً وتكراراً: علينا أن نعمل معاً». لكن يبدو أن إدارة ترامب أكثر اهتماماً بتعزيز قوى أخرى داخل أوروبا، ومنها فصائل اليمين المتطرف التي كانت تُعتبر سابقاً خارج حدود السياسة الغربية المقبولة.

وقد ردد ترامب دعوات اليمين المتشدد إلى «الهجرة المعكوسة» وترحيل المهاجرين غير البيض في المجتمعات الغربية. ويبدو أن ترامب يروّج لما أطلقت عليه الباحثتان «تارا فارما» و«صوفيا بيش»، في وقت سابق من هذا العام، «الأطلسية التصحيحية»، حيث يمكن لبيت أبيض شديد القومية ومتحالف من القوميين الأوروبيين، «العمل على إعادة التفاوض حول القيم والمصالح التي توحد الولايات المتحدة وأوروبا، وفي هذه العملية، تفكيك للمشروع الأوروبي».

*كاتب متخصص في الشؤون الخارجية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»