تحظى جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال حماية البيئة بتقدير دولي واسع من قبل الدول والمنظمات المعنية بقضايا المناخ، إذ رسخت الإمارات مكانتها بوصفها نموذجاً متميزاً في تبني سياسات مستدامة تعالج تحديات التغير المناخي. وتأتي هذه المكانة نتيجة مبادرات طموحة تجمع بين حماية النظم الطبيعية، وتعزيز الطاقة النظيفة، ودعم الشراكات الدولية الفاعلة، ما يعكس التزام الإمارات المستمر بدعم الجهود العالمية وبناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.
وفي إطار هذا التقدير المتواصل للجهود البيئية لدولة الإمارات تم انتخاب المهندسة مريم البلوشي، التي تشغل منصب مدير أول مكتب الشؤون البيئية في الهيئة العامة للطيران المدني، رئيساً للجنة المعنية بحماية البيئة في منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو»، وهو ما يجسد في الوقت نفسه الثقة الدولية في الكفاءات الإماراتية التي تتبوأ العديد من المناصب في المنظمات الدولية.
ولا شك أن الثقة الدولية في قدرة الكفاءات الإماراتية على قيادة دفة العمل الدولي قطاع الطيران المدني، وهو قطاع حيوي يقف أمام اختبار مواصلة طريق النمو والتعافي في هذه المرحلة الدقيقة، يعيد التأكيد على تقدير العالم لنجاحات الإمارات في مجال حماية البيئة وإدارة هذا القطاع بشكل كفء من خلال مسار أقل في التأثير البيئي المتمثل في ملفات مهمة، مثل: خفض التلوث والضوضاء والانبعاثات المسببة للتغير المناخي وزيادة كفاءة في التشغيل واستخدام الطاقة والموارد.
والحاصل أن كل هذه الملفات تمثل تحدياً كبيراً لقطاع الطيران المدني، الذي عانى في الفترة الأخيرة من هزات متكررة أثّرت على المصنعين. وقد تحوّل تحديث أساطيل الطيران إلى أزمة معقدة للمشغلين، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة للامتثال للمعايير البيئية، بما في ذلك ضرورة تغيير أنواع الوقود المستخدمة، وتحقيق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والمتطلبات البيئية، مما يجعل إدارة القطاع أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى تعدد مساهمات دولة الإمارات في حماية البيئة وتحقيق استدامة قطاع الطيران، فقد اعتمدت الدولة هدف الحياد المناخي لقطاع الطيران في نهاية عام 2022، وأطلقت خريطة الطريق الوطنية للوقود المستدام للطائرات في يناير 2023 ومن ثم السياسة العامة لوقود الطيران المستدام في الدولة في ديسمبر من العام نفسه مستهدفة أن يمثل وقود الطيران المستدام المنتَج محلياً في الإمارات بحلول عام 2031 نسبةً لا تقل عن 1% من إجمالي الوقود الذي تزود به مطارات الدولة شركات الطيران الإماراتية وهي كمية ضخمة من الوقود مقارنة بحجم حركة المطارات الإماراتية النشطة.
كما تجدر الإشارة كذلك إلى أن الإمارات حرصت على تطبيق أعلى معايير الاستدامة في إنشاء مطار زايد الدولي بأبوظبي، إذ بلغت نسبة استخدام المواد المستدامة في البناء أكثر من 90%، شاملة الصلب والأخشاب. وقد جعل هذا الالتزام المطار نموذجاً رائداً للاستدامة في منطقة الخليج، ومؤكداً التزام الدولة بالابتكار والبناء المستدام ضمن مشاريعها الحيوية.
وفي الواقع، فإنه وعلى صعيد شركات الطيران فإن لمبادرات الاستدامة تاريخاً طويلاً يسبق توقيع اتفاق باريس للمناخ، ففي 2014 قامت شركة طيران الاتحاد بإطلاق رحلة تجريبية قائمة على الوقود الحيوي وهو النهج الذي التزمته الشركات الإماراتية وصولاً لتصدر طيران الإمارات شركات الطيران العربية ضمن «مؤشر تصورات الاستدامة 2025» الصادر عن «براند فاينانس»، في وقت تتزايد فيه أهمية الاستدامة كعامل حاسم في بناء الثقة وتعزيز تنافسية العلامات التجارية العالمية.
ولم تقتصر المبادرات الإماراتية لتحقيق استدامة الطيران على الصعيد الداخلي بل امتدت إلى المستوى الدولي، فقد اعتمد مجلس منظمة الطيران المدني الدولي «الإيكاو»، في يوليو 2025، مبادرة دولة الإمارات «السوق العالمي للطيران المستدام» كفعالية سنوية ضمن أجندة فعاليات المنظمة، لتصبح بذلك مبادرة مستقلة لدولة عضو تتطور من رؤية استراتيجية إلى فعالية دولية مدعومة تنظيمياً وإدارياً من قِبل الإيكاو.
تظل دولة الإمارات نموذجاً عالمياً في استدامة الطيران، وبفضل هذا التوجيه الاستراتيجي، تتجاوز الدولة التحديات المعقدة، وتحوّلها إلى فرص للنمو والابتكار، ولا شك أن التزامها بالاستدامة يؤكد قدرتها على صياغة مستقبل الطيران بعزم وثقة، نحو آفاق أوسع من النجاح والازدهار المستدام.
*صادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.